حكومة مغربية بلسان فرنسي مبين

الأستاذ محمد كفيل الأمين العام لحزب النهضة و الفضيلة
الأستاذ محمد كفيل الأمين العام لحزب النهضة و الفضيلة

بقلم ذ محمد كفيل – موطني نيوز 

لم يكن حديث وزير الصحة المغربي الجديد باللغة الفرنسية في أول إطلالة إعلامية له مجرد تفصيل عابر. لقد كان مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق من اللغة ذاتها: من يملك القرار حين تظل النخب التي تدير الدولة أسيرة منظومة ثقافية واقتصادية تشكلت خارج حدودها؟

ومن يتأمل المسارات الدراسية والتكوينية لعدد من أعضاء الحكومة، يلاحظ حضوراً لافتاً للتكوين الفرنسي في سيرهم الذاتية. ومن بين الأسماء التي تستحق التوقف عند مساراتها: يونس بجيجو، عبد الوافي لفتيت، نزار بركة، نبيل بنعبد الله، محمد المهدي بنسعيد، عز الدين الميداوي، أحمد رحو، جلال شرف، سمير بلفقيه، وفاطمة الزهراء المنصوري. وتختلف هذه المسارات من شخص إلى آخر، كما أن الدراسة في فرنسا لا تعني في حد ذاتها تبعية سياسية أو اقتصادية؛ لكن اجتماع هذه الخلفيات داخل دوائر تدبير الشأن العام يفتح نقاشاً ضرورياً حول طبيعة النخب التي تصنع القرار، والمرجعيات التي تستند إليها، ومدى قدرة المدرسة الوطنية على إنتاج بدائل مستقلة.

ولا أرى أن من السذاجة السياسية التساؤل عما إذا كان هذا النمط مجرد صدفة، أم أنه يعكس استمرار تأثير يتجاوز التعليم إلى هندسة القرار الاقتصادي والثقافي. أما الحديث عن الإملاءات، فيحتاج إلى أدلة محددة، لكن غياب الدليل العلني لا يلغي مشروعية مساءلة بنية التبعية ومصادرها.

لقد انتهى الاستعمار العسكري، لكن الاستقلال لا يُقاس برفع العلم وحده؛ بل بمدى امتلاك الدولة قرارها الاقتصادي، واستقلالها الثقافي، وقدرتها على التفكير بلغتها دون أن تستعير من الخارج شرعية المعرفة أو مفاتيح التحديث. وهنا تكمن إحدى أعقد مفارقات المغرب: دولة مستقلة سياسياً، لكنها ما زالت تمنح اللغة الفرنسية مكانة تتجاوز وظيفتها كلغة أجنبية، حتى أصبحت في قطاعات واسعة بوابة للنفوذ والامتياز وصناعة القرار.

وليس الاعتراض على تعلم الفرنسية، ولا على الاستفادة من تجارب العالم؛ فالمشكلة ليست في إتقان لغة أجنبية، بل في أن تتحول إلى شرط غير معلن للوصول إلى مراكز القرار، وأن يصبح التكوين الفرنسي معياراً ضمنياً للكفاءة، بينما تُدفع اللغة الوطنية إلى الهامش في الإدارة والاقتصاد وإنتاج المعرفة. الدول لا تنهض باستعارة لسان غيرها، بل ببناء العلم والمؤسسات والاقتصاد بلغتها، مع الانفتاح على العالم من موقع الندية لا التبعية.

وهذا بالضبط ما نبه إليه المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة، حين جعل الاستقلال الثقافي والتحرر من التبعية الفكرية شرطاً للتحرر الحقيقي. فاللغة ليست وعاءً محايداً؛ إنها تحمل تصورات عن المجتمع والتنمية والحداثة، وقد تتحول، حين تحتكرها فئة محددة، إلى أداة لإعادة إنتاج الامتياز وإقصاء قطاعات واسعة من المواطنين.

لكن المسألة، في تقديري، أعمق من التكوين الجامعي أو اللغة التي يتحدث بها وزير أمام الكاميرات. إنها تتصل بعلاقات اقتصادية ومصالح متراكمة، وباتفاقيات والتزامات أُبرمت في مراحل مختلفة بين الدولة المغربية وأطراف أجنبية، وفي مقدمتها فرنسا. ومن حق الرأي العام أن يسأل: ما الذي بقي من هذه العلاقات؟ من يستفيد منها؟ وهل تخدم المصالح الوطنية المتبادلة، أم أنها تعيد إنتاج اختلال في موازين القوة يجعل القرار المغربي محدود الحركة في بعض الملفات؟

هذه أسئلة لا يجوز حسمها بالشعارات، بل بفحص الاتفاقيات، وشروطها، وآثارها على الاقتصاد الوطني، ومواقع النفوذ التي تنتجها. غير أن تجاهلها باسم الصداقة التاريخية أو الشراكة الاستراتيجية لا يقل خطورة عن إطلاق الاتهامات بلا دليل. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بحرارة التصريحات، وإنما بميزان المصالح، وبقدرة كل طرف على التفاوض من موقع السيادة.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه المغرب ليس وجود خبراء درسوا في فرنسا، بل أن تصبح فرنسا، أو أي دولة أخرى، المرجعية التي لا يُتصور النجاح خارج نموذجها، وأن تستمر النخب في إعادة إنتاج الخيارات نفسها، حتى عندما تكشف النتائج حدودها. عندها لا نكون أمام تبادل ثقافي طبيعي، بل أمام تبعية ناعمة تتغذى من التعليم واللغة والمصالح الاقتصادية، وتستمر من دون حاجة إلى جندي واحد على الأرض.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتحدث مسؤول مغربي بالفرنسية؟ بل: لماذا لم ننجح، بعد عقود من الاستقلال، في جعل لغاتنا الوطنية لغاتٍ كاملة للإدارة والجامعة والبحث العلمي والاقتصاد؟ ولماذا ما زالت كفاءة المواطن تُقاس أحياناً بمدى قربه من ثقافة أجنبية، لا بقدرته على المعرفة والإنتاج وخدمة وطنه؟

إن الاستقلال الذي لا يتحول إلى استقلال في اللغة والمعرفة والاقتصاد يظل استقلالاً منقوصاً. والمغرب لا يحتاج إلى استبدال تبعية بأخرى، ولا إلى الانغلاق عن العالم؛ بل يحتاج إلى تحرير قراره من كل علاقة غير متكافئة، وإعادة الاعتبار إلى لغاته الوطنية، ومراجعة اتفاقياته ومصالحه على أساس الشفافية والمنفعة المتبادلة.

فالمشكلة ليست في فرنسا بوصفها شعباً أو مجتمعاً، وإنما في أي منظومة تجعل المغرب سوقاً تابعاً، وتمنح نخبته مرآة أجنبية ترى من خلالها ذاتها، وتؤجل بناء البديل الوطني جيلاً بعد جيل.

لقد آن الأوان للانتقال من الاحتفاء بسير المسؤولين الذاتية إلى مساءلة النتائج التي أنتجتها خياراتهم، ومن ترديد خطاب السيادة إلى قياسها في العقود والصفقات والجامعات ولغة الإدارة. فالأوطان لا تُستعمر دائماً بالقوة؛ أحياناً يكفي أن تظل مفاتيح المعرفة والاقتصاد في يد غيرها، وأن يقتنع بعض أبنائها بأن الطريق إلى المستقبل لا يمر إلا عبر بوابة المستعمر القديم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!