
المصطفى الجوي – موطني نيوز
ليست أخطر الأزمات تلك التي تنفجر في الشوارع، بل التي تتحول، مع طول الاعتياد، إلى جزء من المشهد العام، مواطن ينتظر العلاج فلا يجده، شاب يحمل شهادته ويدور بها بين الأبواب، أستاذ أو ممرض يطالب بتحسين شروط عمله فيُواجَه بالعنف، ومبلّغ عن شبهة فساد يدخل إلى المؤسسة طالباً الحماية فيخرج منها محمّلاً بالخوف. وفي الجهة المقابلة، شاشات تعرض نسب النمو، ومصانع تُدشَّن، وملايين السياح يعبرون الحدود، وصادرات تحطم الأرقام. بين الصورتين يقع السؤال الحقيقي الذي لا تجيب عنه البلاغات الرسمية : هل صار المغرب أغنى، أم صار المواطن المغربي أفضل حالاً؟

تتجسد هذه المفارقة في قضية ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف، المحكوم بعشرين سنة سجناً منذ 2018. ليس دقيقاً، من الناحية القانونية الصرفة، القول إنه أُدين فقط لأنه طالب بجامعة ومستشفى؛ فقد صدرت في حقه اتهامات جنائية مرتبطة بقيادته احتجاجات حراك الريف، وقدمت السلطات الملف باعتباره متعلقاً بأفعال تمس النظام العام. لكن اختزال القضية في منطوق الاتهام الرسمي وحده لا يكفي أيضاً، لأن الحراك الذي قاده رفع بالفعل مطالب صحية وتعليمية واجتماعية، بينها مستشفى جامعي وتحسين البنية الصحية وفرص العمل ورفع التهميش عن الريف. ولهذا اعتبرت منظمات حقوقية دولية، بينها الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، الحكم مفرطاً وطالبت بالإفراج عنه، فيما رأى الفريق الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي أن استمرار اعتقاله ينتهك القانون الدولي. الحقيقة إذن ليست أنه حُكم عليه، حرفياً، بتهمة “المطالبة بمستشفى”، بل أن عشرين سنة كانت النتيجة القضائية لمسار احتجاجي جوهره مطالب اجتماعية، وهي عقوبة تظل ثقيلة إلى حد يصعب فصله عن الرسالة السياسية التي تحملها.

وفي الطرف الآخر من ميزان الإحساس العام بالعدالة تقف قضية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هنا أيضاً تفرض المهنية تصحيح رقم شائع : الحديث لم يكن عن “11 ألف مليار” باعتبارها كلها أموالاً اختُلست مباشرة ووُضعت في جيوب المتهمين. تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية قدّر الضرر المباشر الناتج عن سوء التسيير والتبذير والتعويضات غير المستحقة والاختلاسات وعدم تحصيل مستحقات الصندوق بحوالي 47.7 مليار درهم، ثم أضاف إليه نحو 67.7 مليار درهم من العائدات والفوائد الافتراضية التي كان يمكن تحقيقها، فوصل التقدير الإجمالي إلى 115 مليار درهم. وبعد محاكمة امتدت سنوات، أُيّد الحكم على المدير العام السابق رفيق الحداوي بأربع سنوات موقوفة التنفيذ، مع مصادرة الممتلكات والحكم على المدانين بإرجاع نحو 31 مليار درهم. هذا التفصيل لا يخفف الفضيحة، بل يجعلها أكثر وضوحاً. نحن أمام ملف امتد من 1995 إلى 2001، ظهر رسمياً سنة 2002، وبدأ مساره القضائي سنوات بعد ذلك، ثم انتهى بعقوبات حبسية موقوفة التنفيذ في قضية كان الفصل 241 من القانون الجنائي يتيح أن تصل عقوبتها، نظرياً، إلى عشرين سنة. هنا لا يحتاج المواطن إلى خطاب تعبوي كي يشعر باختلال الميزان؛ يكفيه أن يضع عشرين سنة في كفة، وأربع سنوات موقوفة التنفيذ في كفة أخرى، ثم يتأمل اختلاف السياقات والأفعال والنتائج.

وتتكرر الصدمة عندما تُقارن أحكام الاعتداءات الجنسية بأحكام قضايا التعبير. لا يمكن، من دون تحديد الملف والمحكمة ودرجة التقاضي، تثبيت الادعاء العام بأن “المغتصب يعاقب بستة أشهر”، لأن القانون المغربي يقرر عقوبات أعلى بكثير للاغتصاب وهتك عرض القاصرين، وقد تصل في الظروف المشددة إلى عشرين أو ثلاثين سنة. لكن تحقيقات ميدانية، من بينها تحقيق لشبكة “أريج” راجع عشرات الملفات، وثقت بالفعل إعادة تكييف بعض الوقائع، واستعمال ظروف التخفيف، وصدور عقوبات مخففة أو موقوفة التنفيذ في قضايا اعتداء جنسي على قاصرين. وفي المقابل، صدر ابتدائياً حكم بخمس سنوات على سعيد بوكيوض بسبب تدوينات على فيسبوك انتقد فيها التطبيع وتضمنت عبارات اعتُبرت مسيئة إلى الملك، قبل أن تخفض محكمة الاستئناف العقوبة إلى ثلاث سنوات. والمفارقة، حتى بعد التصحيح، باقية : حين يستطيع التعبير الرقمي أن يقود صاحبه إلى سنوات من السجن، بينما تنتهي بعض الاعتداءات الجسيمة بعقوبات مخففة، تصبح الأزمة أزمة تناسب وثقة، لا مجرد نقاش تقني حول فصول القانون.

أما القول إن الدولة منعت المواطن مطلقاً من التبليغ عن الفساد وإن النيابة لا تتحرك إلا إذا قُبض على مختلس المال العام متلبساً، فهو وصف بالغ التعميم، لكنه يستند إلى مشكلة قانونية حقيقية. فالمادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية المعدّل بالقانون 03.23 لا تجعل التلبس الطريق الوحيد، بل تربط فتح الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بناء على إحالات أو تقارير جهات رسمية، مثل المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات العامة والهيئة الوطنية للنزاهة، مع استثناء حالة التلبس. يستطيع المواطن نقل المعلومات إلى الجهات المختصة، ومنها منصة الهيئة الوطنية للنزاهة، لكن قدرته على تحويل شكايته مباشرة إلى بحث قضائي أصبحت أكثر تقييداً، كما تقلص الدور المباشر لجمعيات حماية المال العام. وقد حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من أن التضييق على المجتمع المدني في هذا الباب لا ينسجم مع متطلبات المشاركة ومكافحة الفساد. الفارق مهم : القانون لم يعلن أن المواطن ممنوع من الكلام، لكنه ضيّق الطريق الذي تتحول عبره كلمته إلى متابعة، وهذا وحده كافٍ لإثارة سؤال خطير حول من يراقب المال العام عندما تكون قنوات التحريك محصورة في مؤسسات قد تتأخر تقاريرها سنوات.

ولا يصح قانوناً القول إن كل مبلغ يُسجن بتهمة الوشاية الكاذبة؛ فهذه الجريمة تستلزم، من حيث المبدأ، ثبوت العلم بكذب الوقائع وسوء النية، ولا يكفي حفظ الشكاية أو عدم ثبوتها لإدانة صاحبها. كما يتضمن القانون 37.10 تدابير لحماية بعض الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين في جرائم الرشوة والاختلاس. غير أن الفرق شاسع بين حماية مكتوبة في النص وشعور فعلي بالأمان. المبلغ يحتاج إلى ضمان سرية هويته، وحمايته من الطرد والانتقام الإداري والمتابعات الكيدية، ومنحه مساراً واضحاً ومستقلاً لفحص الأدلة. فإذا كان المواطن يعتقد أنه قد يخسر عمله أو سمعته أو حريته إن لم يستطع إثبات كل ما بلغه، فسيتحول الصمت إلى سلوك عقلاني، وسيصبح الفساد أكثر أماناً من مقاومته.

على الضفة الاقتصادية، لا يجوز إنكار ما تحقق. سجل الاقتصاد نمواً بنحو 4.9 في المائة سنة 2025، وهو أداء معتبر في محيط دولي مضطرب. لكن نسبة النمو لا تقول، وحدها، أين تركزت الثروة، وما نوع الوظائف التي خُلقت، ومن استفاد منها. والادعاء بأن الصناعة فقدت 46 ألف وظيفة خلال 2025 غير صحيح وفق الحصيلة السنوية للمندوبية السامية للتخطيط؛ فقد أحدث الاقتصاد 193 ألف منصب صافٍ في تلك السنة، منها 123 ألفاً في الخدمات و64 ألفاً في البناء والأشغال العمومية و46 ألفاً في الصناعة، بينما خسر قطاع الفلاحة والغابة والصيد 41 ألفاً. غير أن الصورة الاجتماعية ظلت مقلقة حيث بلغ عدد العاطلين 1.621 مليون شخص، واستقر معدل البطالة عند 13 في المائة، وارتفع لدى الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة، ولدى النساء إلى 20.5 في المائة، كما ارتفع حجم الشغل الناقص إلى 1.19 مليون شخص. معنى ذلك أن تصحيح المعلومة لا يلغي جوهر الأزمة، فالاقتصاد خلق وظائف، لكنه لم يخلق بعد ما يكفي من العمل اللائق لاستيعاب الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
وحتى تقدير دخول نحو 400 ألف وافد جديد إلى سوق الشغل كل عام، وهو رقم يرد في تصريحات خبراء أكثر مما يرد كمعطى سنوي ثابت، يكشف حجم التحدي. فحين يخلق الاقتصاد 193 ألف وظيفة صافية في سنة جيدة، يبقى الفارق واسعاً بين العرض الديمغرافي والطلب الاقتصادي. كما أن حساب “عدد الوظائف التي تخلقها كل نقطة نمو” لا ينبغي تحويله إلى قانون ميكانيكي؛ فالنمو الزراعي يختلف عن الصناعي، والصناعة الكثيفة في التكنولوجيا تختلف عن النسيج والبناء والسياحة. المشكلة ليست في أن نقطة النمو أصبحت “رديئة” بالضرورة، بل في تحول بنية الاقتصاد نحو أنشطة أعلى إنتاجية وأقل كثافة في اليد العاملة، من دون بناء قطاعات موازية تستوعب العمالة المتوسطة والضعيفة التأهيل.

وتبدو صناعة السيارات مثالاً نموذجياً. المغرب صار منصة صناعية أفريقية كبرى، لكن الرقم المتداول يحتاج إلى تصحيح جذري، فصادرات السيارات لم تبلغ 170 مليار دولار؛ إجمالي صادرات البلاد كلها بلغ نحو 460 مليار درهم سنة 2025، فيما بلغت صادرات قطاع السيارات قرابة 154.5 مليار درهم، أي نحو 15 إلى 16 مليار دولار، بتراجع يقارب 2 في المائة عن 2024. كما لم أعثر على مصدر أصلي منشور للاتحاد العام لمقاولات المغرب يثبت أن 96 في المائة من رأسمال القطاع أجنبي. لا شك أن الشركات الأجنبية تقود أجزاء مركزية من المنظومة، لكن السؤال الأكثر جدوى ليس جنسية رأس المال وحدها، بل نسبة القيمة المضافة المحلية، كم تنتج المقاولات المغربية؟ كم من الأرباح يعاد استثماره؟ كم من التكنولوجيا ينتقل إلى الداخل؟ وكم من المهندسين والتقنيين يرتقون من تنفيذ العمليات إلى تصميمها وامتلاكها؟ إن مصنعاً أجنبياً يستخدم مورّدين مغاربة ويكوّن مهندسين وينقل المعرفة قد يكون أنفع من رأس مال محلي يعيش على الحماية والامتياز؛ والعكس صحيح إذا بقي البلد مجرد أرض وأجور وبنية تحتية.

وفي الهيدروجين الأخضر، تميل الدعاية والنقد معاً إلى المبالغة. العرض الرسمي يتحدث عن قدرة المغرب على تلبية أكثر من 4 في المائة من الحاجيات العالمية في أفق 2030، لا عن الاستحواذ المؤكد على 5 في المائة من رقم معاملات السوق. وقد خصص المغرب وعاء عقارياً يقارب مليون هكتار، تبدأ مرحلته الأولى بنحو 300 ألف هكتار. أما رقم 330 مليار درهم، فيُتداول غالباً بوصفه تقديراً للعائدات السنوية الممكنة في أفق 2050، وليس ببساطة كلفة استثمارات مؤكدة ستُنجز حتماً. ولا يوجد سند للقول إن العمل داخل المصانع سيكون “صفر يد عاملة”؛ ستكون المشاريع شديدة المكننة، نعم، لكنها تحتاج إلى الإنشاء والصيانة والهندسة والنقل والتحويل الكيميائي والخدمات اللوجستية. الخطر الحقيقي هو أن تنحصر الوظائف في مرحلة البناء، بينما تبقى الملكية والتكنولوجيا والأرباح في الخارج.
أما الماء والبيئة فليسا تفصيلاً. إنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى الماء، والمخططات تتضمن محطات للتحلية. والتحلية تمنع، نظرياً، منافسة مياه الشرب والزراعة، لكنها تخلق مشكلات استهلاك الطاقة وتصريف الرجيع الملحي والمواد الكيميائية والتأثير في النظم الساحلية. ليست النتيجة الحتمية أن “الطاقة ستذهب إلى أوروبا ويبقى لنا الملح”، لكنها قد تصبح كذلك إذا لم تُفرض دراسات أثر مستقلة، ومراقبة دائمة للملوحة والحرارة والمواد الكيميائية، ونسب إلزامية للاندماج الصناعي المحلي، وحصة للاستهلاك الوطني، وضمانات تمنع تحميل المجتمعات المحلية الكلفة البيئية لمشروعات تصديرية.

والمقارنة بين مصنع “سافران” لأنظمة هبوط الطائرات في النواصر ومصنع الكرتون المصري تكشف بدورها ضرورة الحذر. مشروع سافران تبلغ كلفته أكثر من 280 مليون يورو، ويوفر نحو 500 وظيفة، ويُخصص لإنتاج مكونات أنظمة هبوط طائرات “إيرباص A320″، لا لخدمة شركة “داسو” كما ورد في المعطيات المتداولة. أما المشروع المصري فهو مصنع كرتون باستثمار تركي يقارب 175 مليون دولار، أُعلن أنه سيوفر نحو ألفي وظيفة ويوجه نصف إنتاجه للتصدير. المقارنة مفيدة لإبراز الفرق بين صناعة كثيفة في رأس المال والتكنولوجيا وأخرى أكثر كثافة في العمل، لكنها لا تعني أن على المغرب الاختيار بين الطائرات والكرتون. الدولة الذكية تفعل الاثنين، تستقطب التكنولوجيا العالية، وفي الوقت نفسه تبني صناعات غذائية ونسيجية ودوائية وتعبوية كثيفة التشغيل، مترابطة مع حاجات السوق الداخلية.

وفي السياحة، استقبل المغرب 19.8 مليون وافد سنة 2025، بزيادة 14 في المائة، وهو إنجاز حقيقي. وتشير المعطيات المرحلية إلى أن مغاربة العالم كانوا يمثلون نحو 52 في المائة من الوافدين حتى نهاية يوليوز، ولذلك فقول إن “نصف السياح من الجالية” قريب من الواقع، مع ضرورة التنبيه إلى أن عودتهم ليست أقل قيمة اقتصادية أو وطنية من زيارة السائح الأجنبي. وبلغت المداخيل السياحية 124 مليار درهم حتى نهاية نونبر، ثم أُعلنت لاحقاً أرقام سنوية أعلى؛ وهو ما يضع متوسط الإيراد الحسابي في حدود تقارب 650 إلى 700 دولار للوافد. أما مقارنته بأرقام 950 دولاراً في مصر و1400 في الأردن و4100 في لبنان فتحتاج إلى سنة مرجعية ومنهج موحد، لأن بعض الإحصاءات تحتسب الإقامة الطويلة، وبعضها يتأثر بأعداد المغتربين أو بالسياحة العلاجية والدينية، ولا يجوز تحويل قسمة الإيرادات على الوافدين إلى مقياس كامل لجودة السياحة.
بعد كل التصحيحات، لا تسقط الأطروحة الأساسية، بل تصبح أكثر صلابة : المغرب يحقق نمواً وتحديثاً صناعياً وسياحياً، لكنه لا يزال يعاني فجوة بين إنتاج الثروة وتعميم القدرة على العيش الكريم. فالمواطن الذي يُجرّد من الحساب البنكي واللقب وشبكة الهاتف لا يريد أن يعرف فقط كم سيارة صُدرت، بل هل سيجد طبيباً وسريراً ودواء عندما يسقط في الشارع. لا يسأل عن ترتيب المغرب في الطيران بقدر ما يسأل إن كانت المدرسة العمومية ستمنح ابنه فرصة لا تقل عن فرصة طفل الأسرة القادرة على دفع رسوم التعليم الخاص. ولا يعنيه أن يقال إن الاستثمار بلغ المليارات إذا كان العمل الجيد يمر عبر “باك + صاحبي”، وإن كانت الموهبة تحتاج إلى هاتف نافذ، وإن كان الظلم الصادر عن مسؤول كبير أقوى من قدرة المواطن على الشكوى.

وهنا تحديداً يظهر الفرق بين النمو والتنمية. النمو زيادة في الناتج؛ أما التنمية فهي توسيع حريات الناس وقدراتهم وفرصهم. النمو قد يتحقق بمصنع شديد المكننة يصدّر معظم إنتاجه؛ والتنمية تتحقق عندما تُستثمر عائداته وضرائبه ومعارفه في المدرسة والمستشفى والبحث العلمي والقضاء المستقل والحماية الاجتماعية. النمو يستطيع أن ينفخ القمة؛ أما التنمية فتمتحن في القاعدة، في القرية البعيدة، وقاعة الانتظار، والقسم المكتظ، وملف الشاب الباحث عن عمل، وفي قدرة الإنسان العادي على أخذ حقه من الإنسان النافذ.
والوقت لا يعمل لصالح المغرب. فقد أظهرت نتائج إحصاء 2024 انخفاض الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، دون مستوى تجديد الأجيال البالغ نحو 2.1. وتشير الإسقاطات المحدثة للمندوبية السامية للتخطيط إلى ارتفاع السكان من 36.8 مليوناً سنة 2024 إلى نحو 43.3 مليوناً سنة 2060، لا إلى انفجار سكاني، بل إلى نمو بطيء تصاحبه شيخوخة متسارعة. والتقديرات التي تجعل من 2038 نهاية تقريبية لنافذة يتفوق فيها السكان في سن النشاط على المعالين لا تعني تعادلاً حسابياً بسيطاً في ذلك العام، لكنها تحذر من انكماش العائد الديمغرافي. كما يُتوقع أن ترتفع حصة من بلغوا ستين سنة فأكثر من 12.7 في المائة سنة 2023 إلى 23.2 في المائة سنة 2050، ثم إلى نحو ربع السكان في أفق 2060. أما نسبة 0.6 في المائة فلا يصح وصفها بأنها “قريبة من الصفر” دون تحديد الفترة وطريقة الحساب؛ فالاتجاه المؤكد هو التباطؤ، لا الاختفاء الفوري للنمو السكاني.

والخطر ليس في أن يصبح المغاربة أقل عدداً، بل في أن يشيخوا قبل أن يصبح اقتصادهم قادراً على تمويل شيخوختهم. فإذا ظل جزء واسع من الشباب خارج العمل المنظم، وظلت مشاركة النساء الاقتصادية شديدة الانخفاض، واستمر الشغل الناقص والهش، فلن تتسع قاعدة المساهمين في التقاعد والتأمين الصحي بالسرعة المطلوبة. والهجرة لن تكون عصاً سحرية؛ فاستقدام العمال لا يحل المشكلة إن لم توجد وظائف منتجة ومؤسسات إدماج فعالة، كما أن نزيف الكفاءات المغربية إلى الخارج قد يحرم البلاد من الأطباء والمهندسين والباحثين الذين أنفقت على تكوينهم.
لهذا لا يحتاج المغرب إلى حرب على المصانع أو السياحة أو الهيدروجين، ولا إلى احتقار الإنجازات، بل إلى إعادة تعريف الإنجاز نفسه. المصنع إنجاز حين ينقل المعرفة ويخلق شبكة موردين محليين. والسياحة إنجاز حين ترفع دخل العامل وتحمي المدينة والماء والتراث. والنمو إنجاز حين يخفض بطالة الشباب ويمنح النساء عملاً آمناً. والحماية الاجتماعية إنجاز حين يجد حامل بطاقتها علاجاً فعلياً، لا مجرد رقماً مسجلاً في منصة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. والقضاء إنجاز حين يطمئن الضعيف إلى أن قوة خصمه لن تغيّر وزن الملف.

الرهان ليس على بناء اقتصاد يثير إعجاب الخارج وحسب، بل على بناء وطن لا يحتاج فيه المواطن إلى لقب أو مال أو هاتف نافذ كي يُعامل كإنسان. فالسيارات والطائرات والهيدروجين والفنادق وسائل، وليست غايات. والغاية التي ينبغي أن تقاس بها كل سياسة وكل ميزانية وكل خطاب حصيلة هي الإنسان : صحته، معرفته، حريته، كرامته، وفرصته العادلة في أن يصعد السلم بجهده لا بنسبه.

إنها، في النهاية، ليست معركة أرقام ضد أرقام، بل معركة معنى، فأي مغرب نريد؟ مغرباً تتضخم واجهته بينما يذبل الإنسان في داخله، أم مغرباً تصبح فيه الثروة طريقاً إلى العدالة، والصناعة طريقاً إلى السيادة، والقانون درعاً للضعيف، والدولة بيتاً لمن لا بيت نفوذ له؟ عند هذه العتبة يصبح النداء واضحاً الإنسان أولاً، ثم الإنسان، ثم الإنسان؛ قبل أن تضيق النافذة الديمغرافية، وقبل أن تتحول الشيخوخة إلى أزمة، وقبل أن نفقد الثقة التي لا يعوضها أي معدل نمو. وصدق الله تعالى إذ قال في الآية الرابعة والخمسين من سورة الكهف: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.