“من يقرر الحرب؟” من عبارة على سروال الملك إلى منعطف الصحراء في مجلس الأمن.. هل دخل المغرب مرحلة جديدة في معركة السيادة؟

عندما قال الملك : من يقرر الحرب؟
عندما قال الملك : من يقرر الحرب؟
المصطفى الجوي – موطني نيوز

أحياناً، لا تحتاج السياسة إلى خطاب طويل كي تثير الأسئلة، ولا تحتاج الرسائل المحتملة إلى منصة رسمية كي تتحول إلى موضوع للنقاش. عبارة قصيرة مثل “Who Decides War”، أي “من يقرر الحرب؟”، قد تبدو للوهلة الأولى مجرد اسم لعلامة تجارية في عالم الموضة، لكنها تكتسب دلالات مختلفة عندما تظهر في سياق إقليمي متوتر، ثم تتزامن في ذاكرة المتابعين مع تطورات دولية تعيد رسم ملامح الصراع حول الصحراء المغربية في الذكرى الثانية لعيد الوحدة. غير أن التحليل الجاد لا يقوم على تحويل المصادفات إلى حقائق، بل على قراءة السياق، وفهم موازين القوى، والتمييز بين ما قيل رسمياً وما يمكن استنتاجه سياسياً.

عندما ظهر الملك محمد السادس مرتدياً سروالاً يحمل اسم “Who Decides War” خلال وجوده في باريس في نوفمبر 2024، أثارت العبارة اهتماماً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي. وذهب بعض المتابعين إلى اعتبارها إشارة سياسية محتملة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية والنزاع حول الصحراء المغربية. لكن لا يوجد، وفق المعطيات العلنية المتاحة، ما يثبت أن اختيار هذا اللباس كان مقصوداً به توجيه رسالة سياسية محددة. فالعلامة التجارية الأمريكية التي تحمل هذا الاسم معروفة بتصاميمها المعاصرة، ولا يكفي ظهور اسمها على لباس شخصية سياسية لإثبات وجود موقف رسمي وراء ذلك.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي تحمله العبارة يظل سؤالاً سياسياً عميقاً : من يقرر الحرب؟ ومن يملك سلطة الدفع نحو التصعيد أو تجنب المواجهة؟ وهل تُحسم النزاعات بإرادة الأطراف المعنية، أم تتحول أحياناً إلى رهينة لحسابات القوى الكبرى ومصالحها الاستراتيجية؟

في 30 أكتوبر 2026، اكتسب هذا السؤال سياقاً جديداً مع التطورات التي شهدها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية. فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي كان يدعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه أساساً للمفاوضات، ويتضمن تغييراً في طبيعة المهمة الأممية ومستقبلها. ورغم حصول المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً، فإن الفيتو الروسي حال دون اعتماده، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.

لكن المشهد لم يتوقف عند هذا الحد. فقد طُرح مشروع روسي بديل يقضي بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً باسم “المينورسو”، لمدة عام إضافي. ولم يحصل هذا المشروع بدوره على الحد الأدنى المطلوب لاعتماده، إذ نال ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض وأحد عشر امتناعاً. وبذلك أخفق مجلس الأمن في اعتماد المشروعين، وأصبحت ولاية البعثة مهددة بالانتهاء في 31 أكتوبر 2026، ما لم يُتخذ قرار جديد بشأنها.

هذه التفاصيل ليست مجرد أرقام في محضر جلسة أممية؛ إنها تكشف عن تعارض واضح في الرؤى بين القوى الدولية بشأن مستقبل النزاع. فالولايات المتحدة دفعت نحو صيغة تربط المفاوضات بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما رفضت روسيا المشروع الأمريكي بحجة أنه يفرض مقاربة أحادية ويهمش، في نظرها، مبدأ تقرير المصير. ثم أخفق المشروع الروسي نفسه في حشد الدعم اللازم لتمديد المهمة.

ومن الخطأ، في هذا السياق، تفسير الفيتو الروسي باعتباره دعماً روسياً مباشراً للموقف المغربي. فموسكو عارضت المشروع الأمريكي، لكنها لم تنجح أيضاً في تمرير مشروعها البديل. ما تكشفه النتيجة هو أن مجلس الأمن لم يتوصل إلى توافق بشأن مستقبل المينورسو، وأن الصحراء المغربية أصبحت مرة أخرى ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى واختلافاتها بشأن قواعد التسوية السياسية.

غير أن التطور الأكثر دلالة بالنسبة إلى المغرب جاء من الرباط، لا من قاعة التصويت وحدها. ففي اليوم نفسه، أصدر الديوان الملكي بلاغاً اعتبر عدم تمديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة. كما أكد أن عدم التمديد يعني، وفق الموقف المغربي المعلن، أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

ولم يقتصر البلاغ على مستقبل البعثة، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا إلى إنهاء إحالة الملف على مجلس الأمن، واعتبر أن استمرار الاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات الأممية بشأن الصحراء ينبغي أن يتوقف. كما أكد استمرار تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، وبسلامة أراضيه وأمنه الوطني، ومواصلة التحرك الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي.

هنا يظهر جوهر التحول في الخطاب المغربي، الرباط لا تقدم عدم تمديد المينورسو باعتباره مجرد تعثر إداري أو فراغ مؤقت في ولاية بعثة أممية، بل تقرأه بوصفه فرصة للانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى محاولة تغيير الإطار الذي يُدار من خلاله هذا النزاع. إنها مقاربة تسعى إلى تقليص ما يعتبره المغرب تدويلًا مستمراً لقضية وحدته الترابية، وإعادة توجيه النقاش الدولي نحو مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل السياسي.

لكن ينبغي الانتباه إلى فارق أساسي، البلاغ الملكي يعبر عن موقف المغرب وتوجهه السياسي، ولا يعني وحده أن مجلس الأمن اتخذ قراراً رسمياً بإلغاء ملف الصحراء من جدول أعماله أو أن جميع الآليات الأممية ذات الصلة انتهت قانونياً بصورة نهائية. فعدم اعتماد قرار التمديد، وانتهاء الولاية، ومصير الوجود الميداني للبعثة، ومستقبل المسار السياسي، مسائل مترابطة لكنها ليست متطابقة. كما أن المطالبة بإنهاء وجود البعثة لا تعني بالضرورة أن جميع إجراءات الانسحاب قد نُفذت بالفعل.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة البلاغ باعتباره إعلاناً عن إرادة سياسية مغربية واضحة في استثمار اللحظة الدولية لإحداث تغيير عميق في طريقة التعامل مع الملف. وهو إعلان يحمل طموحاً استراتيجياً، لكنه يواجه أيضاً أسئلة قانونية ودبلوماسية وعملية تتعلق بكيفية تنفيذ هذا التوجه، وبما قد يترتب على انتهاء مهمة أممية ارتبطت منذ عام 1991 بمراقبة وقف إطلاق النار وبالمسار الذي أُنشئت من أجله.

وهنا يعود السؤال للواجهة : “من يقرر الحرب؟”. فالحرب لا تبدأ دائماً بقرار معلن، كما أن تجنبها لا يتحقق بمجرد إعلان موقف سياسي قوي. في النزاعات الممتدة، تتداخل قرارات الدول مع حسابات الردع، والضغوط الدبلوماسية، ومواقف القوى الكبرى، وقدرة الأطراف على ضبط التصعيد. لذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لأي خطوة مغربية لا تقاس فقط بحدة خطابها أو بقوة رمزية الإعلان عنها، بل بقدرتها على حماية الاستقرار، وترسيخ الموقف التفاوضي للمملكة، ومنع الخصوم من تحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة أوسع.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الجمع بين الدفاع عن الوحدة الترابية، والتمسك بوقف إطلاق النار، ومواصلة الحضور الدبلوماسي الدولي، يمثل تحدياً يتطلب أكثر من مجرد قراءة متفائلة لنتائج جلسة واحدة. فعدم تمديد المينورسو قد يشكل منعطفاً في المسار الأممي، لكنه لا ينهي تلقائياً النزاع السياسي ولا يزيل الخلافات الإقليمية. بل قد يفتح مرحلة جديدة من التنافس الدبلوماسي، ويطرح أسئلة بشأن آليات مراقبة الاستقرار، ومستقبل المفاوضات، ومواقف الدول المؤثرة.

كما أن الموقف الروسي يذكر بأن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الصداقة والخصومة وحده. فالدول تتحرك وفق مصالحها وتصوراتها للقانون الدولي وموازين القوى. وقد تلتقي مصالح دولة مع موقف المغرب في ملف معين، ثم تختلف معه في ملف آخر. لذلك، لا ينبغي قراءة الفيتو الروسي باعتباره اصطفافاً مطلقاً مع الجزائر أو ضد المغرب، بقدر ما ينبغي فهمه ضمن الخلاف الروسي الأمريكي حول طبيعة الحل السياسي وحدود ما يمكن لمجلس الأمن فرضه على أطراف النزاع.

وبالتالي يحق لنا اليوم الربط بين عبارة “Who Decides War” والبلاغ الملكي، بوصفه قراءة رمزية تستحضر السؤال نفسه في سياقين مختلفين : سياق صورة أثارت التأويلات، وسياق قرار دولي كشف محدودية التوافق بين القوى الكبرى. وبالتالي يمكننا إعتباره دليل يثبت أن العبارة كانت تمهيداً لما وقع في مجلس الأمن أو أنها حملت مسبقاً مضمون البلاغ اللاحق. ومن شأن الفصل بين الرمز والواقعة أن يجعل التحليل أكثر قوة ومصداقية، لا أقل جرأة.

فالسيادة لا تُختبر فقط في المواقف المعلنة، بل أيضاً في القدرة على إدارة النتائج. والمغرب، وهو يسعى إلى الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق حسم إطاره السياسي وفق رؤيته، يحتاج إلى تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مكاسب قابلة للاستمرار، مع تجنب أي فراغ قد يؤثر في الاستقرار الميداني أو يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب.

لقد أظهرت جلسة مجلس الأمن أن القوى الكبرى لا تتفق بالضرورة على الوسيلة، حتى عندما تتحدث جميعها عن ضرورة إيجاد حل. وأظهر البلاغ الملكي أن المغرب يريد استثمار هذه اللحظة للانتقال إلى مرحلة جديدة في تعاطيه مع ملف الصحراء. وبين الموقفين، يبقى السؤال الأهم ليس فقط من يقرر الحرب، بل من يمتلك القدرة على منعها، ومن يستطيع تحويل ميزان القوى إلى تسوية سياسية مستقرة.

قد لا نعرف أبداً ما إذا كان اسم العلامة التجارية الذي ظهر على سروال صاحب الجلالة الملك محمد السادس منذ عامين يحمل، في نظره، أي دلالة تتجاوز الموضة. لكننا نعرف أن التطورات اللاحقة في مجلس الأمن وضعت المغرب أمام مرحلة سياسية دقيقة. وفي هذه المرحلة، لا تكمن قوة الدولة في افتراض الرسائل الخفية، بل في وضوح أهدافها، ودقة حساباتها، وقدرتها على الدفاع عن مصالحها من دون التفريط في الاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!