عافية صابر من المواقف الوطنية إلى أفق المسؤولية الحكومية

الدكتورة عافية صابر
الدكتورة عافية صابر

المصطفى الجوي – موطني نيوز

اسم نسائي جدير بالنقاش في تدبير الشأن العام

في سياق النقاش المتواصل حول تجديد النخب الوطنية وتوسيع دائرة المشاركة في تدبير الشأن العام، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المعايير التي يُعتمد عليها في استحضار الأسماء المرشحة لتحمل المسؤوليات الكبرى. فالمشهد الوطني لا يحتاج فقط إلى وجوه اعتادت الحضور في المؤسسات السياسية، بل يحتاج أيضاً إلى الانفتاح على شخصيات صنعت تجاربها من خلال العمل الميداني والمواقف الوطنية والمبادرات الاجتماعية وتحمل المسؤولية في محيطها المهني والمجتمعي.

وفي هذا السياق، يبرز اسم عافية صابر بوصفه أحد الأسماء النسائية التي تستحق الاهتمام والنقاش عند الحديث عن الكفاءات القادرة على المساهمة في تدبير الشأن العام، وربما تحمل مسؤولية حكومية في المرحلة المقبلة، من قبيل منصب وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة، أو مهمة وطنية ذات طابع اجتماعي أو تربوي أو مؤسساتي.

إن الحديث عن عافية صابر لا ينطلق من الألقاب أو الشهادات، وإنما من مسار ارتبط بعدد من المحطات الوطنية والمبادرات العملية، ومن تجربة امتدت إلى مجالات التربية والإعلام والعمل الاجتماعي.

من المحطات التي تستحق التوقف في مسار عافية صابر، موقفها خلال سنة 2011، حين عرف المغرب مرحلة سياسية دقيقة تزامنت مع حراك عشرين فبراير وما رافقه من تحولات ونقاشات حول مستقبل الدولة والإصلاح السياسي والاجتماعي. في تلك المرحلة، اختارت عافية صابر الاصطفاف إلى جانب الاستقرار الوطني، ورفضت ما كانت تعتبره دعوات قد تدفع البلاد نحو الفتنة والفوضى. ولم يكن موقفها، وفق ما عبّرت عنه، رفضاً للإصلاح أو إنكاراً للمطالب الاجتماعية، بل كان دفاعاً عن ضرورة معالجة الاختلالات داخل المؤسسات الوطنية، بعيداً عن كل ما يمكن أن يهدد تماسك الدولة. لقد كانت ترى أن المغرب ليس بلداً يمكن التعامل مع استقراره باعتباره أمراً قابلاً للمغامرة، وأن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يحافظ على المكتسبات الوطنية، ويستجيب في الوقت نفسه لتطلعات المواطنين.

وفي السياق ذاته، دافعت عن مشروع دستور 2011، وشجعت على التصويت بنعم، انطلاقاً من قناعة بأن الإصلاح الدستوري والمؤسساتي يشكل مدخلاً لتطوير الدولة وتعزيز مؤسساتها. وقد أقرّ المغاربة دستور فاتح يوليوز 2011 بأغلبية ساحقة من الأصوات الصحيحة، في محطة شكلت منعطفاً مؤسساتياً في تاريخ المغرب الحديث.

وتكتسب هذه المحطة أهميتها من كونها تعكس تصوراً للمشاركة الوطنية لا يقوم على الانفعال أو مسايرة الموجات، بل على اتخاذ موقف في لحظة دقيقة وتحمل تبعاته. فالمواقف الوطنية لا تُقاس فقط بما يُقال في الأوقات العادية، وإنما بما يختاره الإنسان عندما تكون البلاد أمام منعطفات تاريخية.

إن ما يلفت الانتباه في تجربة عافية صابر هو انتقالها من التعبير عن المواقف الوطنية إلى العمل الميداني الذي يلامس حياة المواطنين. فالوطنية، في هذا التصور، ليست مجرد شعارات أو عبارات تُرفع في المناسبات، بل هي مسؤولية تجاه المدرسة والطفل والشباب والأسرة، ومساهمة في بناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات.

ومن هذا المنطلق، اختارت عافية صابر أن تجعل من قطاع التعليم مجالاً أساسياً لمبادراتها، من خلال تأسيس وتدبير مجموعة مدارس الجذور الخصوصية، التي امتد نشاطها إلى المحمدية وبنسليمان وبوزنيقة. لقد ارتبطت تجربتها بمحاولة توفير فرص تعليمية وتربوية لفئات مختلفة، وبالعمل على تشجيع التمدرس والتفوق، والاهتمام بالتلاميذ الذين يحتاجون إلى الدعم والمواكبة. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تدبير مؤسسات تعليمية، بل بتجربة تضع صاحبتها أمام مسؤوليات يومية تتصل بمستقبل الأطفال والأسر، وبالتحديات التي تواجه المدرسة والمجتمع.

ومن أبرز الملفات التي ارتبطت بتجربة عافية صابر قضية الهدر المدرسي، التي تشكل إحدى المعضلات الاجتماعية والتربوية التي تتطلب حلولاً تتجاوز المقاربات التقليدية. فالتلميذ الذي يغادر المدرسة قبل استكمال مساره لا يخسر فقط سنوات من التعليم، بل قد يفقد فرصاً أساسية للاندماج المهني والاجتماعي.

ومن خلال مجموعة مدارس الجذور، ارتبط اسم عافية صابر بمبادرات تستهدف تشجيع التمدرس ومساعدة الأسر، من بينها توزيع الكتب والمقررات المدرسية بالمجان، وتحفيز التلاميذ المتفوقين، وفتح المجال أمام بعض الفئات للاستفادة من الدعم التعليمي. كما شكلت الأنشطة التربوية واحتفالات النجاح والتفوق جزءاً من توجه يرمي إلى إعادة الاعتبار للمدرسة، وإلى جعل النجاح الدراسي قيمة تحظى بالتقدير داخل المجتمع. وقد تناولت منابر إعلامية بعض هذه المبادرات، بما يعكس حضور التجربة في النقاش الصحفي حول التعليم والعمل الاجتماعي.

والأهمية هنا أن عافية صابر لم تكتفِ بالحديث عن أزمة التعليم من خارج المؤسسات، بل اختارت تحمل مسؤولية التدبير اليومي، بما يرافق ذلك من تحديات إدارية وتربوية واجتماعية ومالية. وهذه التجربة الميدانية تفتح مجالاً للتساؤل حول مدى إمكانية الاستفادة من خبرات الفاعلين الذين يشتغلون مباشرة داخل القطاع التعليمي عند صياغة السياسات العمومية.

ومن الملفات التي تستحق اهتماماً أكبر، ملف الشباب؛ فالشباب المغربي يحتاج إلى أكثر من الخطابات التحفيزية؛ يحتاج إلى فرص التكوين والتأطير واكتساب المهارات، وإلى مؤسسات تساعده على الانتقال من وضعية الانتظار إلى وضعية الإنتاج والمشاركة. ومن خلال تجربتها في التعليم والتكوين والتأهيل، راكمت عافية صابر احتكاكاً مباشراً بقضايا الشباب، وبالصعوبات التي تواجه الأسر في توفير فرص تعليمية وتكوينية لأبنائها. كما أن اهتمامها بالتكوين والتأهيل المهني يندرج ضمن تصور يعتبر أن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الأساسي لتحقيق التنمية.

ويمكن أن تشكل هذه التجربة منطلقاً للمساهمة في برامج وطنية تستهدف إعادة إدماج الشباب المنقطعين عن الدراسة، وتطوير التكوين المهني، وتقوية الشراكة بين المؤسسات التعليمية والمقاولات، وتشجيع المبادرات النسائية والشبابية. إن الإدماج الحقيقي لا يتحقق بمجرد إطلاق البرامج، بل يحتاج إلى فهم الواقع الميداني، والإنصات إلى الفئات المستهدفة، وتقييم نتائج المبادرات.

إلى جانب تجربتها التربوية، خاضت عافية صابر تجربة إعلامية من خلال جريدة جذور الصحافة، حيث اضطلعت بمسؤوليات مرتبطة بالنشر والتحرير، وجعلت من قضايا المجتمع والتعليم والشباب والمسؤولية الوطنية موضوعاً لاهتمامها الإعلامي. كما ارتبطت مواقفها بالدفاع عن احترام أخلاقيات المهنة الصحفية، وضرورة التمييز بين العمل الصحفي المهني وممارسات التشهير والتضليل، والتأكيد على أن الإعلام مسؤولية تتطلب التحقق والتكوين والالتزام.

وهذا الجانب من تجربتها يضيف بعداً آخر إلى مسارها، خصوصاً أن تدبير الشأن العام أصبح يحتاج بصورة متزايدة إلى فهم العلاقة بين المؤسسات والإعلام والمجتمع. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما أحد الفضاءات التي تتشكل فيها الثقة العامة، وتُناقش من خلالها القضايا الوطنية.

إن قراءة مسار عافية صابر تطرح سؤالاً يتجاوز شخصها: هل ينبغي أن تظل المسؤوليات الكبرى حكراً على المسارات السياسية التقليدية، أم أن الوقت قد حان لتوسيع دائرة الاستفادة من الشخصيات التي راكمت تجاربها في مجالات أخرى؟ إن تدبير المؤسسات التعليمية، وإطلاق المبادرات الاجتماعية، ومواكبة الشباب، والعمل الإعلامي، والتعامل مع الإكراهات اليومية، كلها تجارب يمكن أن تساهم في تكوين رؤية عملية حول عدد من الملفات العمومية.

ولا يعني ذلك أن التجربة المهنية وحدها تكفي لتولي المسؤوليات الحكومية، فهذه المسؤوليات تتطلب أيضاً رؤية سياسية واضحة، وبرنامجاً قابلاً للتنفيذ، وقدرة على العمل المؤسساتي والمحاسبة. لكن من الضروري أن تظل أبواب النقاش مفتوحة أمام الكفاءات التي أثبتت حضورها في الميدان، وأن يتم تقييمها على أساس ما قدمته وما يمكن أن تضيفه.

إن طرح اسم عافية صابر في سياق الحديث عن المسؤوليات الحكومية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلاناً عن تعيين مرتقب، ولا باعتباره خبراً عن قرار سياسي لم يصدر، وإنما باعتباره اقتراحاً يستند إلى قراءة لمسار ومواقف وتجارب تستحق النقاش. ومن بين المواقع التي يمكن أن يكون اسمها موضوع تداول وتقييم، منصب وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة، أو مسؤولية وطنية مرتبطة بالتأهيل الاجتماعي والتكوين وإدماج الشباب ومحاربة الهدر المدرسي.

فالمغرب يحتاج إلى مقاربات جديدة في معالجة عدد من الملفات الاجتماعية، وإلى الاستفادة من تجارب النساء اللواتي استطعن الجمع بين المبادرة والتدبير والعمل الميداني. كما أن تجديد النخب لا ينبغي أن يقتصر على إعادة تدوير الوجوه نفسها، بل يقتضي الانفتاح على شخصيات لها تجارب مختلفة، وقادرة على تقديم تصورات عملية بشأن قضايا المواطنين.

إن ما يجعل اسم عافية صابر جديراً بالطرح في هذا النقاش ليس مجرد حضورها في المجال التربوي أو الإعلامي، وإنما اجتماع عدد من المحطات في مسارها: موقفها من التحولات الوطنية سنة 2011، ودفاعها عن الإصلاح الدستوري والاستقرار، ومبادراتها في مجال التعليم، واهتمامها بمحاربة الهدر المدرسي، وانخراطها في قضايا الشباب والتأهيل والإعلام. وهي محطات ينبغي أن تكون موضوع قراءة وتقييم، بعيداً عن المبالغة أو التزكية المجانية.

ومن موقعي ككاتب لهذا المقال، أرى أن اسم عافية صابر يستحق أن يُطرح بجدية ضمن النقاش حول الكفاءات النسائية التي يمكن أن تتحمل مسؤولية في تدبير الشأن العام، وأقترح أن يحظى مسارها بالاهتمام عند التفكير في إسناد مسؤوليات حكومية جديدة، سواء في إطار منصب وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة أو في إطار مهمة وطنية أخرى تتناسب مع تجربتها.

إنني أطرح هذا الاسم انطلاقاً من قناعة بأن خدمة الوطن لا ترتبط حصراً بالمسارات الحزبية التقليدية، وأن هناك شخصيات صنعت حضورها من خلال المواقف والمبادرات والعمل الميداني، وتستحق أن تكون موضع نقاش عند البحث عن وجوه جديدة للمسؤولية. فالمناصب ليست مكافآت، وإنما تكليف ومسؤولية ومحاسبة، والتاريخ العملي للإنسان يظل أحد العناصر التي تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تقييم إمكانية إسناد المسؤولية إليه.

عافية صابر.. اسم يفتح النقاش حول الانتقال من المبادرة الميدانية إلى المشاركة في تدبير الشأن العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!