محمد كفيل في مواجهة الأسئلة حارقة..من “عدم القدرة” إلى أزمة الثقة وإعادة بناء السياسة

الأستاذ محمد كفيل في مواجهة الاعلامي أيمن الحبيب
الأستاذ محمد كفيل في مواجهة الاعلامي أيمن الحبيب

المصطفى الجوي – موطني نيوز

لم يكن اللقاء الذي استضاف فيه الإعلامي أيمن الحبيب الأستاذ محمد كفيل، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة والمحامي بهيئة الدار البيضاء، مجرد حوار سياسي عابر أو مناسبة لاستعراض المواقف الحزبية، بل بدا أقرب إلى محاكمة متعددة الواجهات للأداء الحكومي، ولطريقة تدبير الأزمات، ولواقع الحياة الحزبية، وللعلاقة المتوترة بين السلطة التنفيذية ومهنة المحاماة. وقد منح الجمع بين صفة رجل القانون وفاعل سياسي للضيف خطابه طبيعة مركبة؛ فهو يتحدث أحياناً بمنطق الدفاع القانوني، وأحياناً بمنطق المعارض السياسي، وأحياناً بمنطق المواطن الذي يعلن عدم رضاه عن حصيلة السنوات الحكومية الماضية. أما المحاور، فاختار أسلوباً مباشراً ومشاكِساً، يختبر به قدرة ضيفه على الصمود أمام الأسئلة المحرجة، خصوصاً حول ضعف حضور حزبه، والخلافات الداخلية، وحظوظه الانتخابية، وموقفه من الاحتجاجات المهنية.

منذ البداية، كشف الحوار عن مفارقة اجتماعية لافتة : بلد يستقبل أبناءه وعائلاته في الصيف بروح الضيافة، لكنه يعجز، وفق توصيف الضيف، عن جعل السياحة الداخلية في متناول أغلب مواطنيه. فحتى الفئات ذات الدخل المتوسط، بل وحتى بعض الفئات النخبوية، تجد نفسها أمام أسعار “تقسم الظهر”، فيما يتحول الصيف والدخول المدرسي ومصاريف الأدوات والالتزامات اليومية إلى مناسبات لتجديد الإحساس بالعجز. لذلك استبدل كفيل العبارة المتداولة “القدرة الشرائية” بتعبير أكثر قسوة ودلالة هو “عدم القدرة”. وهذه ليست مجرد لعبة لغوية، بل إعادة تسمية للواقع الاجتماعي: فالمواطن، في نظره، لم يعد يناقش مقدار ما يستطيع شراءه، وإنما حدود ما لم يعد قادراً على تحمله. وعندما يصبح الغلاء شاملاً للحوم والخضر والسيارات والعطل وتكاليف التعليم، فإن الأمر يتجاوز ارتفاعاً ظرفياً في الأسعار ليصبح أزمة في الأمان الاجتماعي وفي توقعات الأسر للمستقبل.

في هذا السياق، حمّل كفيل الحكومة الأخيرة مسؤولية مباشرة، وذهب إلى وصفها بأنها “أفشل حكومة”، مستنداً إلى ما اعتبره ضعفاً في الإنجازات، وقلة في ما قُدّم للمواطن، وعدم وفاء بالعهود، وخلق مشكلات لم تكن واردة في البرامج أو في حسابات الناس. وهو لا يرى أن المواطن في حاجة إلى خطاب سياسي يشرح له فشل الحكومة، لأن الفشل، حسب تعبيره، صار مرئياً في تفاصيل الحياة اليومية: عند الجزار، وفي سوق الخضر، وفي السيارات، وفي سوق الشغل، وفي العطل، وفي القدرة على تدبير الدخول المدرسي. بهذا المعنى، ينقل الضيف النقاش من مستوى الأرقام والمؤشرات الرسمية إلى مستوى التجربة المعيشة، حيث لا تقاس الحكامة بما تقوله البيانات، بل بما يشعر به المواطن حين يواجه حاجاته الأساسية.

وحين حاول المحاور تفسير جزء من الصعوبات بسلسلة الأزمات التي عرفتها الولاية الحكومية، من الجفاف والتوترات الجيوسياسية والفيضانات إلى زلزال الحوز، رفض كفيل اختزال التقييم في فكرة “سوء الحظ”. فالكوارث قد تقع، كما قال، لكن السؤال السياسي الحقيقي هو كيف تتعامل الحكومة معها. ومن هنا انتقل إلى ملف زلزال الحوز، لا لينكر وجود مبادرات لإعادة البناء أو دعم المتضررين، بل ليطالب بجرد واضح وشفاف لمآل الأموال التي جُمعت في صندوق التضامن. وقد حرص على القول إنه لا يتهم أحداً، وإنما يطرح سؤالاً في إطار الشفافية، متسائلاً عن التقارير التي يفترض أن توضح أين ذهبت المبالغ الكبيرة، وما إذا كان المجلس الأعلى للحسابات قد تتبع مسارها. وتكشف هذه النقطة عن تحول التضامن الشعبي، الذي اعتبره كفيل درساً وطنياً استثنائياً، إلى موضوع مساءلة سياسية؛ فالمغاربة، من أعلى الهرم إلى أبسط مواطن، أظهروا روحاً وطنية وتضامنية عالية، لكن القيمة الأخلاقية لذلك التضامن لا تكتمل إلا حين تقابله إدارة عمومية قابلة للمحاسبة.

وفي مقابل اعتبار الدعم الاجتماعي إنجازاً حكومياً ملموساً، قدّم كفيل نقداً مبدئياً لسياسة الدعم نفسها. فهو يرى أن بناء استراتيجية الدولة على المنح المباشرة يظل خياراً خاطئاً، لأنه يرسخ انتظار المواطن لمد اليد بدل تقوية قدرته على الخلق والابتكار والعمل. ومن منظوره، لا ينبغي أن يكون الهدف إنتاج مواطن محتاج إلى الدعم، بل مواطن مقاول ومبدع وقادر على صناعة القيمة وخلق فرص الشغل. واستعان بمقارنة بين القيمة السوقية لشركة “آبل”، التي أشار إلى أنها تتجاوز 4.7 تريليون دولار، والناتج الداخلي للمغرب الذي ذكر أنه في حدود 182 مليار دولار، ليؤكد أن الاستثمار في العقل البشري قد يصنع قيمة تتجاوز اقتصادات دول بأكملها. كما استحضر نماذج شركات وأفكار تكنولوجية مثل “واتساب” ليبيّن أن الفكرة المبتكرة قادرة على إنتاج الثروة والمناصب أكثر من انتظار وظيفة عمومية.

هذا النقد يقود إلى جوهر آخر في خطاب كفيل، هو نقد النظام التعليمي الذي يرى أنه يوجّه النخب نحو الوظيفة بدل أن يهيئها لصناعة المشاريع. فالمتفوقون، في تصوره، يسلكون غالباً طريق الطب أو الهندسة أو التخصصات المرموقة، ثم يبحثون في النهاية عن وظيفة لدى الدولة، بينما تتراجع القدرة على إنتاج جيل خلاق يعرف كيف يصنع لا كيف ينتظر. وهو بذلك لا ينتقد الدعم بوصفه آلية اجتماعية فقط، بل ينتقد منظومة كاملة تبدأ من التعليم وتنتهي بسوق الشغل، وتُبقي المواطن داخل دائرة الحاجة إلى الدولة. لذلك دعا إلى نقاش عمومي حول الاستراتيجية التنموية، معتبراً أن النقاش حول الدعم ينبغي أن يُستبدل بنقاش حول التمكين، والإنتاج، والابتكار، وتحرير الطاقات الفردية والجماعية.

ولم يعف كفيل البنية السياسية والاقتصادية من المسؤولية، إذ تحدث عن تغليب المصالح الشخصية والحزبية والفئوية، وعن الخلط بين السياسة والمال، وعن تضارب المصالح الذي اعتبره عاملاً سلبياً في أداء الحكومة. بل ذهب إلى صياغة أكثر حدّة حين قال إن الأمر لم يكن، في نظره، تضارباً بين مصالح متعددة بقدر ما كان تغليباً لمصلحة ذاتية، معتبراً أن مصلحة المواطن لم تكن مطروحة بما يكفي. واستحضر لغة سياسية جديدة دخلت المجال العمومي، مثل “الفراقشية” و”الخفافيش” وغيرها من الأوصاف، ليدق ناقوس الخطر بشأن انحدار النقاش السياسي إلى قاموس التشهير والتجريح، بدل أن يكون مجالاً للتنافس حول البرامج والحلول. ومع ذلك حرص على الفصل بين المغرب كدولة، بما يرمز إليه من استقرار وأمن وموقع استراتيجي وثروة مادية ولا مادية وتوافق حول الملكية، وبين الحكومة كجهاز تنفيذي؛ فهو يرى أن المغرب، بما يملكه من مقومات، يستحق أداءً حكومياً أفضل، وأن انتقاده للحكومة لا يعني انتقاصاً من الدولة أو من ثوابتها.

وفي واحدة من أكثر لحظات الحوار دلالة، رفض كفيل منح الحكومة نقطة رقمية من واحد إلى عشرة، بحجة أن التقييم الجاد يحتاج إلى مكاتب دراسات وخبراء وقراءة سوسيولوجية لا إلى انطباع سياسي. لكنه، في المقابل، أعلن بوضوح أنه كمواطن “غير راض”، لأن المشكلات كبيرة ولأن المغربي يستحق أفضل من النموذج الذي عاشه. وهنا تظهر مفارقة مهمة : الضيف يقر بأنه منافس سياسي، وبالتالي لا يدعي الحياد الكامل، لكنه يطالب في الوقت نفسه بإنتاج معرفة اجتماعية مستقلة قادرة على تشخيص الظواهر وتفكيكها والبحث عن حلولها. وانتقد تراجع دور علماء الاجتماع، سواء بسبب ضعف إنتاجهم في الجامعة أو بسبب عدم اضطلاعهم بأدوارهم، معتبراً أن غياب القراءة السوسيولوجية يترك المجال للانطباعات، وللخطابات الحزبية، وللمصطلحات المتداولة بلا فحص أو مساءلة.

وعندما انتقل الحوار إلى حزب النهضة والفضيلة، واجه كفيل مباشرة صورة الحزب غير المعروف لدى قطاعات من الشباب. لم يقبل هذا التوصيف بسهولة، مؤكداً أن الحزب ليس وليد اللحظة، وأن له تاريخاً وكوادر ومؤسسين، وأنه انتُخب أميناً عاماً سنة 2024 بعد مسار طويل من العمل داخل الحزب إلى جانب الراحل الخالدي وقيادات أخرى. غير أنه لم ينكر واقع أزمة الثقة العامة في الأحزاب، بل عمّمها على المشهد الحزبي كله. فالمواطن، حسب تحليله، لم يعد يثق في الوعود التي تتجاوز أحياناً ميزانية الدولة، ولا في البرامج التي تقدم وعوداً “فلكية” يستحيل الوفاء بها. ومن هنا يربط استعادة الثقة بشرط بسيط لكنه حاسم: الوفاء بالعهود.

كما فسّر ضعف حضور حزبه بعوامل تتعلق بالإمكانات وبطريقة توزيع الدعم العمومي. فالفارق، حسب تعبيره، ليس دائماً أن الحزب لا يملك الإمكانات، بل أن الإمكانات لا تُمنح له. وهو ينتقد اعتماد الدعم على عدد الأصوات المحصل عليها، لأن هذا المعيار، في رأيه، يختزل الحزب في لحظة انتخابية واحدة، بينما الحزب مؤسسة دستورية يفترض أن تقوم بالتوعية والتأطير والحضور السياسي والندوات وكتابة المواقف، وتظل الانتخابات وسيلة من وسائل عمله لا تعريفاً وحيداً له. ويعتبر أن هذا الاختيار ينتج إقصاءً غير مباشر للأحزاب الصاعدة، ويجعل بعضها قريباً من المواطن فقط في موسم الانتخابات، بما يعزز صورة “الدكاكين السياسية”. كما ألمح إلى أن القواعد القانونية التي تنتجها برلمانات تهيمن عليها أحزاب كبرى لا تتيح دائماً للأحزاب الأخرى فرصاً متكافئة للصعود.

وفي ما يخص الخلافات الداخلية، قدّم كفيل رواية مفادها أن مؤتمراً حزبياً منحه نسبة تقارب 96 في المائة من الأصوات، وأن شخصية أخرى لم تتقدم في ذلك المؤتمر ثم طعنت في شرعيته، قبل أن ترفض المحكمة الدعوى. لكنه قال إن وزارة الداخلية تبنت مشروعية تلك الطعون وأوقفت أنشطة الحزب إلى حين انتهاء المسار القضائي، رغم ما اعتبره تجاوزاً للأجل القانوني المحدد في ستين يوماً، وهو ما أدى إلى حرمان الحزب من المشاركة في الانتخابات. وقد صاغ موقفه بوصفه اتهاماً سياسياً وقانونياً خطيراً، حين تحدث عن “منهج لحرمان” الحزب من المشاركة، مع تأكيده أن النزاع ينبغي أن يبقى أمام القضاء، وألا تتحول الخصومة حول أشخاص إلى عقوبة تطال مؤسسة حزبية كاملة. كما أشار إلى أن بعض المناضلين اضطروا إلى البحث عن أحزاب أخرى للترشح، فيما ظل آخرون أوفياء لمرجعية الحزب.

وفي حديثه عن احتمال مغادرة الأمانة العامة أو الانضمام إلى حزب آخر، كشف كفيل عن تردده الشخصي، لكنه شدد على أنه إذا غادر الحزب فلن ينتقل بالضرورة إلى حزب آخر، بل قد ينسحب من العمل الحزبي. وهو يرفض أن يكون وسيلة إضافية لزرع عدم الثقة في المشهد السياسي، بعدما كان من الشباب الذين آمنوا بأن الإصلاح والتغيير يمران عبر مشاركة الأشخاص الصالحين. كما ترك الباب مفتوحاً أمام وجود تقاطعات فكرية مع أحزاب أخرى، من دون أن يسميها أو يحدد إن كانت يسارية أو إسلامية، وهو تحفظ يحمل دلالة سياسية على أن الخريطة الحزبية قد تكون أكثر سيولة مما توحي به الانتماءات الرسمية.

أما ظاهرة الترحال السياسي، فلم يتعامل معها كفيل باعتبارها وحدها سبب أزمة الثقة، لأن المواطن، في نظره، فقد الثقة في الأحزاب حتى من دون ترحال. لكنه أشار إلى أن الناخبين كثيراً ما يصوتون للأشخاص لا للألوان الحزبية، وأن الشخص قد يغير لونه السياسي فيما تستمر القاعدة الانتخابية نفسها في التصويت له. وبذلك تصبح السياسة شخصانية أكثر منها مؤسساتية، ويغدو تغيير الحزب أقل تأثيراً من استمرار الزعيم المحلي أو المرشح نفسه. وفي المقابل، كان أكثر حسماً في رفض الريع العائلي؛ فهو لا يعترض على دخول أكثر من فرد من الأسرة نفسها إلى العمل السياسي إذا كان ذلك نتيجة الاقتراع والشعبية، لكنه يرفض أن يستغل شخص منصبه لفرض الابن أو الابنة أو الزوجة. فالديمقراطية، عنده، يجب أن تنتج الاختيارات، لا أن يحل الريع محلها.

وفي تقييمه للمعارضة، خالف كفيل الانطباع القائل إنها كانت ضعيفة، وأشاد خصوصاً بأداء المعارضة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، لا بسبب تقارب التوجهات، بل بسبب ما اعتبره قوة في الأداء. وأشار إلى كثرة الأسئلة البرلمانية التي تجاوزت، حسب تقديره، خمسة آلاف وربما اقتربت من ستة آلاف، وإلى أن المعارضة كشفت ملفات مرتبطة بتضارب المصالح والصفقات والامتيازات. أما أحزاب أخرى، فاعتبر أنها لم تؤد دورها المعارض بالقدر نفسه. ويكشف هذا الموقف عن أن نقده للحكومة لا يتحول إلى رفض شامل لكل ما صدر عن المؤسسات، بل يميز بين الأغلبية والحكومة من جهة، وبعض آليات المعارضة من جهة أخرى.

في الشق المهني، أخذ الحوار منحى أكثر توتراً، لأن كفيل تحدث بصفته محامياً يعيش الأزمة من داخلها. وقد انتقد مشروع قانون مهنة المحاماة، مؤكداً أنه لم يكن ضمن البرنامج الانتخابي للحزب الحكومي، ولا مطلباً شعبياً، ولا أولوية مقارنة بقوانين تمس المواطن مباشرة، مثل قوانين حوادث السير والتنفيذ والشغل والمصاريف القضائية والمجانية. وهو لا يرفض مبدأ تعديل القانون من حيث المبدأ، بل يسأل عن سبب اختياره وتوقيته ونجاعته، وعن مدى صدوره من حاجة اجتماعية أو مهنية حقيقية. وبحسب منطقه، فإن القانون لا ينجح بمجرد صدوره، بل حين ينبع من القاعدة ويحظى بالاحترام والتطبيق، لا حين تفرضه السلطة بالخوف أو بالإقصاء.

ويركز كفيل خصوصاً على غياب المنهج التشاركي، معتبراً أن المحامين، باعتبارهم الفئة المعنية مباشرة، كان ينبغي أن يكونوا أول المخاطَبين في صياغة النص. ويشير إلى أن الوزير سبق أن قال إنه لن يمرر قانوناً لا يوافق عليه المحامون أو لا يناقشونه، ثم يتساءل كيف وُضع النص في البرلمان من دون نقاش عمومي كافٍ. وفي الوقت نفسه، أقر بأن النص الذي صودق عليه ليس سيئاً في مجمله، وأن الاحتجاج والنقاش أديا إلى تغيير مواد ومصطلحات مقارنة بالصيغة الأولى، لكن ذلك لا يلغي، في رأيه، وجود مضامين تثير المخاوف بشأن دور المحامي وحصانته ووظيفته الدفاعية، خصوصاً أن المحامي يمثل، حسب تعبيره، أحد آخر معاقل الحرية.

أما علاقته بوزير العدل عبد اللطيف وهبي، فقد حرص كفيل على القول إنه ينتقده بصفته وزيراً لا بصفته الشخصية، لكنه حمله مسؤولية تشخيص الخلاف من خلال طريقة الكلام. فقد وصف أسلوب الوزير بأنه يتضمن الاستفزاز والعدائية والإقصاء والتهكم وإيقاد الفتنة، معتبراً أن الوزير هو الذي يشخصن الأمور لا المحامون. وفي المقابل، استحضر مصطفى الرميد باعتباره نموذجاً لرجل الدولة الذي يحترم استقلال القضاء ويحظى بعلاقة جيدة مع المحامين والقضاة، ووصفه بعراب الإصلاح القضائي والاستقلال، مع تحفظه على صورة الحضور إلى المحاكم التي اقترحها الرميد كبديل عن الإضراب، معتبراً أنها لم تكن موفقة في صفوف المحامين، رغم احترامه الكبير لشخصه ومسيرته.

ورغم تضامنه مع زملائه، دعا كفيل إلى تغيير وسيلة الاحتجاج، ووقف الإضرابات والعودة إلى العمل والبحث عن وسائل وطنية ومشروعة للتعبير، رافضاً تدويل الخلاف. وهو يرى أن الملف وطني وينبغي أن يجد حلاً وطنياً، وأن استمرار الإضراب يضر بالمحامي أولاً، مادياً ومعنوياً، لأن المحامي يعيش من القضايا والمذكرات وصناعة الحلول داخل المحاكم. وفي هذه النقطة يحاول الجمع بين الدفاع عن جوهر المطالب المهنية والتحفظ على أدوات الاحتجاج، مميزاً بين شرعية الغضب ونجاعة الوسيلة.

في النهاية، يعود الحوار إلى الانتخابات بوصفها المخرج العملي من أزمة المشهد. يحمّل كفيل الناخب مسؤولية أولى، ثم طريقة الانتخاب والجهات المشرفة مسؤولية ثانية، ويضع المرشحين المتنقلين بين الأحزاب في مرتبة لاحقة. فالمواطن الواعي الذي لا يصوت، حسب منطقه، لا يقف خارج العملية الانتخابية، بل يشارك فيها سلباً، لأنه يسمح لنسبة تتراوح بين 18 و20 في المائة بأن تقرر مصير 80 في المائة. لذلك دعا الشباب إلى مغادرة النقد خلف شاشات التواصل الاجتماعي، والانتقال إلى صندوق الاقتراع، والبحث في مرجعيات الأحزاب وبرامجها ونظافة مرشحيها، ومنح فرص للأحزاب الصاعدة أو للأشخاص الأكفاء. فالتغيير لا يتحقق، في رأيه، بمنشورات “فيسبوك”، بل بالمشاركة المنظمة والاختيار الواعي.

غير أن هذا التفاؤل الديمقراطي ظل مشروطاً بقدر من التحفظ، خصوصاً أن حزب النهضة والفضيلة نفسه حُرم، وفق رواية أمينه العام، من خوض الانتخابات بسبب نزاع قانوني وإداري. كما أن كفيل لم يبدِ تفاؤلاً واضحاً بشأن الاستحقاقات المقبلة، وربما تهرّب من الإجابة حتى لا يناقض دعوته إلى المشاركة. وفي ختام الحوار، قدم توصيفاً مكثفاً للمشهد السياسي المغربي : “مظلم، لكنه في الطريق إلى النور”، فيما اعتبر فوزي القجع نموذجاً لفشل المؤسسات الحزبية في إنتاج النخب، إلى درجة اللجوء إلى التكنوقراط. أما رسالته إلى عبد اللطيف وهبي فاختصرها في “الله يسمح له”، وهي عبارة تجمع بين المرارة والتهدئة، وتكشف أن الصراع، رغم حدته، لم يتحول إلى قطيعة شخصية معلنة.

تكمن أهمية هذا اللقاء في أنه جمع بين أزمات تبدو منفصلة لكنها في الحقيقة مترابطة : الغلاء يضعف الثقة، وضعف الثقة يرفع العزوف، والعزوف يعيد إنتاج الخريطة نفسها، والخريطة نفسها تحافظ على قواعد قانونية وتمويلية لا تمنح الأحزاب الصاعدة فرصاً متساوية، فيما يؤدي ضعف التمثيل السياسي إلى مزيد من الاحتقان المهني والاجتماعي. وبين هذه الدائرة، حاول محمد كفيل تقديم نفسه كصوت يجمع بين القانون والسياسة، ويدافع عن دولة مستقرة ومؤسسات قوية، لكنه يرفض أن تتحول الحكومة أو الإدارة أو الحزب إلى غطاء للإقصاء أو للريع أو لغياب الشفافية. غير أن قوة خطابه ترتبط أيضاً بقدرته على الانتقال من التشخيص إلى البديل : من نقد الدعم إلى بناء المواطن المنتج، ومن الاعتراض على الإقصاء إلى إعادة بناء الثقة، ومن الاحتجاج إلى الحوار، ومن عزوف الشباب إلى مشاركتهم. فالمعركة التي رسمها اللقاء ليست فقط حول حكومة أو قانون أو حزب، بل حول سؤال أعمق : كيف يمكن إعادة السياسة إلى المجتمع، وإعادة المجتمع إلى السياسة، في لحظة يشعر فيها المواطن أن صوته لا يغير شيئاً، وأن كلفة العيش ترتفع أسرع من قدرته على الاحتمال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!