سامير والمازوط..حين تخلّت الدولة عن المصفاة وتركت المغاربة وحدهم أمام غول الغلاء

من يملك قرار الطاقة في المغرب؟
من يملك قرار الطاقة في المغرب؟

المصطفى الجوي – موطني نيوز

عندما يتجاوز سعر المازوط في المغرب 17 درهمًا للتر، بينما يباع في مصر بأقل من أربعة دراهم، يصبح السؤال أكبر من مجرد مقارنة بين محطتين أو رقمين في فاتورة الوقود. نحن أمام اختيارات اقتصادية وسياسية متراكمة، أوصلت المغرب إلى وضع يفقد فيه إحدى أهم أدواته الاستراتيجية، ثم يطلب من المواطن أن يتحمل وحده كلفة التخلي عنها.

سامير..المصفاة التي غابت عن مشهد الطاقة المغربي
سامير..المصفاة التي غابت عن مشهد الطاقة المغربي

أنا لا أتعامل مع هذا الفارق باعتباره نتيجة طبيعية لاختلاف الأسواق، ولا أقبل أن يُختزل النقاش في ارتفاع أسعار النفط عالميًا. صحيح أن السوق الدولية تؤثر في الأسعار، لكن الدول لا تتعامل مع الطاقة بمنطق الحساب التجاري المجرد فقط؛ لأنها تعرف أن المحروقات تدخل في كلفة النقل والإنتاج والغذاء والخدمات، وأن أي ارتفاع فيها ينتقل مباشرة إلى حياة المواطنين وإلى القدرة التنافسية للاقتصاد بأكمله.

في قلب هذه المعادلة تقف مصفاة “سامير” في المحمدية، وهي المصفاة الوحيدة التي عرفها المغرب. أنشئت سنة 1959، وكانت قادرة على تكرير ما يصل إلى 200 ألف برميل يوميًا، بما كان يغطي نحو 65 في المائة من حاجيات البلاد. وظيفتها لم تكن مجرد شراء النفط الخام وتحويله إلى مازوط وبنزين وغاز البوتان؛ فقد كانت تمثل حلقة صناعية واستراتيجية تمنح المغرب قدرًا من التحكم في أمنه الطاقي، وتوفر مخزونًا وخبرة وفرص عمل، وتقلل من الارتهان الكامل للسوق الخارجية.

حين يتحول المازوط إلى عبء يومي على المواطن
حين يتحول المازوط إلى عبء يومي على المواطن

لكن هذه المصفاة لم تسقط في يوم واحد. سنة 1997 بيعت لمجموعة “كورال” التابعة للملياردير السعودي محمد العمودي، ثم أخذت الديون في التراكم إلى أن تجاوزت 40 مليار درهم، كان جزء مهم منها مستحقًا للدولة. وفي غشت 2015 توقفت المصفاة عن العمل، قبل أن تقضي المحكمة التجارية بالدار البيضاء سنة 2016 بالتصفية القضائية. ومنذ ذلك الوقت، وجد المغرب نفسه يستورد حاجياته من المحروقات المكررة من الخارج بنسبة كاملة تقريبًا، بعدما كان يتوفر على أداة إنتاج داخلية قادرة على تكرير الخام.

هنا تحديدًا ينبغي أن نطرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلًا: هل كان إيقاف “سامير” مجرد نتيجة لفشل تدبيري وديون متراكمة، أم أنه كان أيضًا نتيجة لغياب رؤية واضحة حول معنى امتلاك مصفاة وطنية؟ فحتى عندما تكون المؤسسة متعثرة ماليًا، لا يمكن التعامل معها كأي شركة عادية، لأن قيمة المصفاة لا تختصر في ميزانيتها أو في أصولها العقارية. إنها جزء من البنية التحتية للأمن القومي، مثلها مثل الموانئ وشبكات الماء والكهرباء ومخزونات الغذاء.

لماذا يدفع المغربي أكثر مقابل المازوط؟
لماذا يدفع المغربي أكثر مقابل المازوط؟

اليوم، يظهر عرض إماراتي لإعادة اقتناء المصفاة بقيمة تقارب 34 مليار درهم. العرض الأول، الذي تقدمت به شركة “MGM Investments” من دبي، لم يحظ بالقبول بعدما اعتبرت المحكمة أن الملف يفتقر إلى الضمانات الكافية، وأن الشركة اشترطت فحص المعدات قبل الالتزام النهائي. ثم عاد العرض في نونبر بالقيمة نفسها تقريبًا، فيما ظل القرار معلقًا. وفي هذه النقطة لا يكفي أن نسأل: هل العرض مرتفع أم منخفض؟ السؤال الأهم هو: ماذا سيحصل عليه المغرب مقابل هذا الأصل الاستراتيجي، وما الضمانات التي ستحمي المصلحة العامة، وما طبيعة الالتزامات المتعلقة بالتشغيل والاستثمار والمخزون والأسعار؟

بيع “سامير” لأي مستثمر، إماراتيًا كان أو غيره، لا ينبغي أن يكون صفقة عقارية أو مالية معزولة عن مستقبل الطاقة في البلاد. المطلوب هو عقد واضح وشفاف، يحدد حجم الاستثمار، وآجال إعادة التشغيل، ومستوى الإنتاج، والتزامات التخزين، وحماية العمال، وآليات المراقبة، وحدود تأثير المصفاة في السوق. أما تسليم المصفاة من دون شروط دقيقة، فسيعني استبدال احتكار الاستيراد باحتمال احتكار جديد، من دون أن يتغير جوهر المشكلة بالنسبة إلى المواطن.

مصفاة كانت تغطي جزءًا كبيرًا من حاجيات المغرب
مصفاة كانت تغطي جزءًا كبيرًا من حاجيات المغرب

والأهم أن عودة “سامير” إلى العمل، حتى لو تحققت، لن تجعل المازوط رخيصًا بصورة آلية. هذه نقطة يجب قولها بوضوح بعيدًا عن الشعارات. سعر المحروقات يرتبط بسعر النفط الخام، وكلفة التكرير والنقل والتخزين والضرائب وهوامش التوزيع. المصفاة قد تخفف كلفة الاستيراد، وتقلل مخاطر تقلبات السوق، وتوفر العملة الصعبة، وتعيد جزءًا من القيمة المضافة إلى الداخل، لكنها لن تكون عصًا سحرية إذا بقيت الدولة تترك التسعير للسوق وحدها ولا تضع آليات لحماية المستهلك.

وبحسب المعطيات المتداولة في هذا النقاش، فإن الفارق بين سعر الخام وسعر المازوط قد يصل إلى خمسة أو ستة دراهم للتر. غير أن هذا الفارق لا يصل بالضرورة إلى جيب المواطن بمجرد تشغيل المصفاة؛ بل يحتاج إلى سياسة عمومية تنظم الأسعار، أو إلى مساهمة مباشرة للدولة في رأسمال المصفاة، أو إلى نظام يوازن بين كلفة الإنتاج والقدرة الشرائية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستعود “سامير”؟ بل: لمن ستعود، وكيف ستشتغل، ومن سيحدد سعر ما تنتجه؟

11 عامًا من التوقف..صناعة استراتيجية خارج الخدمة
11 عامًا من التوقف..صناعة استراتيجية خارج الخدمة

المقارنة مع مصر تكشف حجم الاختلاف في فلسفة تدبير الطاقة. فمصر تستورد كميات كبيرة من المنتجات النفطية، قريبة في مجموعها من الكميات التي يستوردها المغرب، لكنها حافظت على مصافيها وطورتها، كما أبقت الدولة على تدخلها في الأسعار وتحمل جزء من الكلفة. أما المغرب فقد وجد نفسه أمام مصفاة متوقفة، ودعم جرى رفعه، وسوق محررة، ومواطن مطالب بأن يدفع كامل الفاتورة مهما ارتفعت الأسعار.

لا يعني هذا أن النموذج المصري خال من المشاكل، ولا أن الدعم المفتوح حل دائم. الدعم قد يضغط على الميزانية، وقد يستفيد منه الغني أكثر من الفقير إذا لم يكن موجها بشكل جيد. لكن الفرق يكمن في أن الدولة المصرية، مهما كانت كلفة تدخلها، ما زالت تتعامل مع الطاقة باعتبارها قضية سيادية واجتماعية، بينما ترك المغرب المواطن في مواجهة السوق، من دون أن يملك أدوات كافية للتفاوض معها أو التأثير فيها.

من التكرير المحلي إلى الارتهان للمحروقات المستوردة
من التكرير المحلي إلى الارتهان للمحروقات المستوردة

وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن أرباح محطات الوقود يجب ألا يتحول إلى ستار يحجب بقية حلقات السلسلة. أرباب المحطات يقولون إن هامش ربحهم ثابت تقريبًا ولا يتغير مع كل ارتفاع، وإن الجزء الأكبر من الفارق يذهب إلى شركات التوزيع. وهذا يستدعي نشر المعطيات الكاملة حول بنية السعر: كم يمثل ثمن الاستيراد؟ وكم تقتطع الضرائب؟ وما هو هامش شركات التوزيع؟ وما الذي تحصل عليه المحطات؟ وهل توجد منافسة حقيقية تمنع تمرير هوامش غير مبررة إلى المستهلك؟ الشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة.

أنا لا أرى قضية “سامير” كحنين إلى الماضي، ولا أتعامل معها كحل تقني منفصل عن السياسة الاقتصادية. القضية في جوهرها تتعلق بمن يملك أدوات القرار عندما تتعرض البلاد لأزمة طاقة: هل تملك الدولة مخزونًا ومصفاة وقدرة على التكرير والتدخل؟ أم تكتفي بالاستيراد ثم تطلب من المواطن أن يتكيف مع كل موجة ارتفاع؟ الدول التي تحمي أمنها الطاقي لا تنتظر الأزمة حتى تكتشف قيمة المصانع التي أغلقتها، ولا تقيس كل شيء بمنطق الربح والخسارة القصير الأمد.

عرض إماراتي جديد..صفقة إنقاذ أم تفويت لأصل استراتيجي؟
عرض إماراتي جديد..صفقة إنقاذ أم تفويت لأصل استراتيجي؟

لهذا، فإن قرار مصير “سامير” يجب أن يبنى على مصلحة المغرب بعيدة المدى، لا على الاستعجال ولا على جاذبية رقم 34 مليار درهم. إذا كان المستثمر قادرًا على إعادة تشغيل المصفاة وضخ استثمارات حقيقية وتقديم ضمانات ملزمة واحترام قواعد المنافسة، فليكن ذلك واضحًا أمام الرأي العام. وإذا كانت الدولة قادرة على استرجاعها أو الدخول في شراكة استراتيجية تضمن التحكم في القرار، فعليها أن تشرح الكلفة والمكاسب بجرأة. ما لا يمكن قبوله هو أن تظل المصفاة عالقة بين التصفية والعروض، بينما يظل المواطن عالقًا عند محطة الوقود أمام فاتورة لا يفهم كيف تشكلت.

المشكلة ليست في من يملك النفط، بل في من يملك القدرة على تدبيره. وليست في أن يكون المستثمر أجنبيًا أو وطنيًا، بل في أن تكون شروط الاستثمار عادلة وشفافة وتحمي المصلحة العامة. وليست عودة “سامير” وحدها هي الحل، بل عودة الدولة إلى موقعها الطبيعي في حماية أمن الطاقة، وتنظيم السوق، ومراقبة الأسعار، وضمان ألا يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في كل معادلة.

سامير ليست آلات فقط..إنها وظائف وخبرات وقيمة صناعية
سامير ليست آلات فقط..إنها وظائف وخبرات وقيمة صناعية

وبالتالي، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نبيع المصفاة للإماراتيين أم تسترجعها الدولة فقط؟ السؤال الأعمق هو: أي نموذج طاقي نريد للمغرب؟ نموذج يضمن الحد الأدنى من السيادة الصناعية، ويخلق مخزونًا وفرص عمل وقيمة مضافة، ويمنح الدولة قدرة على التدخل عندما يختل السوق؟ أم نموذج يترك البلاد رهينة للاستيراد، ويجعل المواطن وحده في مواجهة الأسعار؟ القرار في “سامير” ليس قرارًا حول مصنع متوقف فحسب؛ إنه قرار حول ما إذا كانت الطاقة سلعة عادية، أم قضية أمن وكرامة وعدالة اجتماعية.

فاتورة المحروقات تصل إلى ميزانية الأسر المغربية
فاتورة المحروقات تصل إلى ميزانية الأسر المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!