
عبد الله رحيوي – موطني نيوز
إن الواقعة التي أثيرت بشأن ما حدث عند باب وزارة التربية الوطنية، والتي نسب فيها إلى أحد حراس الأمن الخاص سلوك غير ملائم، تظل، في حدود المعطيات المتاحة، واقعة غير محسومة تستلزم التحقق من ملابساتها وتحديد المسؤوليات بشأنها. ولا يجوز استخلاص نتائج نهائية قبل إجراء بحث موضوعي، والاستماع إلى الأطراف المعنية، والاطلاع على ما قد يتوافر من تسجيلات أو شهادات أو وثائق.
وتكمن أهمية الموضوع في ضرورة ضمان احترام كرامة المرتفقين، والتحقق من عدم تجاوز بعض مواقع الحراسة للمهام المحددة لها، مع صون حقوق العاملين في هذا القطاع وعدم تحويل واقعة فردية، قبل التحقق منها، إلى اتهام جماعي.
تطرح هذه الواقعة، إذا تأكدت بعض عناصرها، تساؤلات مشروعة حول شروط تنظيم الولوج إلى عدد من المرافق العمومية، ولا سيما المستشفيات، وحول مدى احترام كرامة المرتفقين والحدود القانونية لمهام مستخدمي شركات الحراسة الخاصة. والأصل أن تقتصر مهام هؤلاء على المساهمة في حفظ الأمن وتنظيم الولوج وحماية الأشخاص والممتلكات، في إطار الصلاحيات المحددة قانونا وتحت إشراف الجهة الإدارية المختصة، دون ممارسة أي سلطة غير مخولة أو اتخاذ إجراءات تعسفية في حق المواطنين.
كما قد تثار، في بعض الحالات، ادعاءات بشأن طلب مبالغ مالية أو تقديم منافع مقابل تسهيل الولوج أو الاستفادة من خدمات معينة. ولا يمكن اعتبار هذه الادعاءات وقائع ثابتة إلا بعد التحقق منها من قبل الجهات المختصة، غير أنها قد تستوجب البحث الجدي متى دعمتها شكايات محددة أو قرائن قابلة للفحص. وينبغي، عند الاقتضاء، توفير قنوات آمنة وفعالة للتبليغ وحماية المشتكين والشهود، مع احترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف.
أما ما قد يلاحظ من تفاوت بين الأجور المعلنة لبعض العاملين في هذا القطاع ومستوى معيشتهم، فلا يشكل، في حد ذاته، دليلا على ارتكاب أي مخالفة، ولا يبرر توجيه الشبهات إلى أشخاص بعينهم. ويمكن، عند توفر مؤشرات موضوعية ومستقلة، إخضاع الشركات المشغلة للمراقبة المتعلقة باحترام الالتزامات القانونية والاجتماعية، بما في ذلك التصريح بالأجراء وأداء المستحقات واحترام شروط العمل، مع تقييم السياسات العمومية السابقة ذات الصلة بالأجور وظروف الشغل، بما فيها التدابير التي سبق أن دافع عنها وزير الشغل السابق.
وتتحمل الإدارة مسؤولية تنظيم المرفق العمومي ومراقبة المتدخلين فيه، بما يشمل مراجعة شروط تنفيذ عقود الحراسة، وتحديد صلاحيات المستخدمين بدقة، وتعزيز التكوين المهني والأخلاقي، ومتابعة مدى احترام دفاتر التحملات. كما ينبغي التحقق من تصريح الشركات بأجرائها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحترامها للالتزامات القانونية والاجتماعية، وتحديد مسؤولية الإدارات المتعاقدة في مجال التتبع والمراقبة، دون افتراض تقصير أو تورط أي جهة قبل ثبوت ذلك من خلال تحقيق أو معطيات موثوقة.
ولا ينبغي أن يفهم هذا النقاش على أنه اتهام جماعي لحراس الأمن الخاص؛ فكثير منهم يؤدون مهامهم في ظروف مهنية صعبة، وقد يكونون بدورهم بحاجة إلى حماية قانونية وتكوين ملائم. والمقصود هو ضمان احترام القانون وكرامة المرتفقين، ومنع أي استعمال غير مشروع للمهام الأمنية داخل المؤسسات العمومية، مع صون حقوق العاملين والمتعاملين على السواء.
فالمرفق العمومي مخصص لخدمة المواطنين، وتتحمل الإدارة مسؤولية تنظيمه ومراقبة المتدخلين فيه. وإذا ثبت وقوع تعسف أو ابتزاز، وجب ترتيب الآثار القانونية المناسبة، مع ضمان حق الدفاع وحياد إجراءات البحث.
وعمليا، يقتضي الأمر التحقق أولا من واقعة وزارة التربية الوطنية عبر بحث مستقل وشفاف، والاستماع إلى جميع الأطراف، وفحص التسجيلات والشهادات والوثائق المتاحة. كما ينبغي إحداث قنوات واضحة وآمنة للتبليغ، وضمان حماية المشتكين والشهود، وتحديد آجال ومسؤوليات معالجة الشكايات. ومن المفيد أيضا مراجعة عقود الحراسة ودفاتر التحملات، وتدقيق صلاحيات الحراس، وتعزيز تكوينهم في القانون وحقوق الإنسان والتواصل، مع إجراء مراقبة دورية لأوضاعهم المهنية والتزام الشركات بتصريحهم وأداء مستحقاتهم.
وعند ثبوت المخالفات، يجب تطبيق الجزاءات القانونية والتعاقدية وفق المساطر المعمول بها، مع تقييم دوري لفعالية آليات الإشراف والمساءلة ونشر معطيات عامة حول نتائج معالجة الشكايات، بما يعزز الثقة دون المساس بالمعطيات الشخصية أو بحقوق الأطراف.
والسؤال الذي يستحق الطرح اليوم ليس فقط: ما الذي حدث عند باب وزارة التربية الوطنية؟ بل أيضا: هل توجد آليات كافية لرصد الشكايات والتحقق منها داخل المرافق العمومية، وهل يشعر المواطنون بالأمان عند استعمالها؟