غابة 33 مجرد محطة..فمن أين تأتي المخدرات؟

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

كلما ارتفع صوت الرأي العام بشأن ما يجري داخل غابة 33 بالمنصورية، بإقليم بنسليمان، اتجهت الأنظار إلى الغابة باعتبارها أصل المشكلة، وانصبت التغطيات على المروجين والمستهلكين والأكواخ والمسالك، بينما ظل السؤال الأهم خارج دائرة الضوء: من أين جاءت هذه المخدرات قبل أن تصل إلى الغابة؟

إن غابة 33 لا تزرع فيها نبتة الكيف، ولا تُنتج فيها أوراق التبغ، ولا توجد بها، بحسب المعطيات المتاحة، معامل معلنة لصناعة الشيرا أو البوفا. ولذلك فإن اختزال القضية في أشخاص يبيعون المخدرات داخل الغابة يشبه محاكمة آخر حلقة في سلسلة طويلة، مع ترك الحلقة التي تمول وتزود وتحرك هذه التجارة بعيدة عن المساءلة.

لقد كشفت واقعة العثور على جثتي شابين داخل غابة 33، وما رافقها من أبحاث وإيقافات، أن المنطقة تحولت إلى فضاء يثير مخاوف حقيقية لدى السكان والزوار. ووفق ما نشرته صحافة مغربية، كان الشابان قد توجها من المحمدية إلى الغابة، قبل أن تنقطع أخبارهما، ثم عُثر عليهما جثتين، فيما فُتح بحث قضائي وأوقف شخص للاشتباه في صلته بأحد المروجين. غير أن تفاصيل الجريمة، وأسباب الوفاة، وطبيعة الإصابات، والمسؤوليات النهائية، تبقى من اختصاص التحقيق والقضاء ولا يجوز حسمها إعلامياً قبل صدور النتائج الرسمية.

لكن هذه الجريمة، مهما كانت نتائج التحقيق فيها، لا ينبغي أن تحجب جوهر المشكلة. فالغابة، في مثل هذه الحالات، تكون غالباً نقطة بيع وتوزيع واستهلاك، وليست بالضرورة نقطة إنتاج أو مصدر تموين. إنها محطة داخل شبكة أوسع، قد تبدأ من مورد أو ممول، ثم تمر عبر وسطاء وناقلين ومخازن، قبل أن تنتهي عند مروج صغير يقف في الواجهة ويتحمل الجزء الأكبر من الخطر.

وهنا يجب أن يتغير اتجاه السؤال. بدل أن نسأل فقط: من يبيع المخدرات في غابة 33؟ ينبغي أن نسأل: من يزود هؤلاء الأشخاص؟ من يمول عمليات الشراء والنقل؟ من يوفر أماكن التخزين؟ من يحدد الأسعار والكميات؟ من يملك القدرة على تعويض الموقوفين بآخرين بعد كل حملة أمنية؟ ومن يستفيد مالياً من استمرار هذه السوق؟

إن المعطيات الرسمية والوطنية تؤكد أن المغرب يواجه سوقاً متعددة الأنواع والمصادر. فقد أعلنت السلطات المغربية، في عرض قدم خلال دورة لجنة الأمم المتحدة للمخدرات، عن حجز كميات ضخمة من راتنج القنب وعشبه والكوكايين والهيروين، إلى جانب أكثر من ثمانية ملايين قرص من المؤثرات العقلية خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024. وهذه الأرقام لا تثبت مساراً محدداً للمخدرات الموجودة في غابة 33، لكنها تؤكد أن الظاهرة تتجاوز بائعاً محلياً أو منطقة جغرافية واحدة.

أما الأقراص المهلوسة، فلا ينبغي التعامل معها بمنطق الانطباع. القول إنها تأتي كلها من خارج البلاد يحتاج إلى أدلة مخبرية وقضائية، كما أن القول إنها تنتج كلها داخلياً يحتاج إلى الأدلة نفسها. معرفة مصدرها تتطلب تحليل المادة الفعالة، وفحص التغليف والعلامات والأرقام، ومقارنتها بمحجوزات أخرى، ثم تتبع الأشخاص والأموال والاتصالات المرتبطة بها. فالمادة المهربة عبر الحدود ليست مثل دواء تم تسريبه من قناة قانونية، وليست مثل مادة أعيد تركيبها أو خلطها محلياً.

والأمر نفسه ينطبق على ما يسمى محلياً بـ“البوفا”. فقد أشار تحليل لمعهد الدراسات الأمنية إلى أن هذه المادة ليست تركيبة كيميائية ثابتة، وأنها قد تُصنع محلياً من خلط بقايا مواد مخدرة بمواد أخرى، وأن طريقة ظهورها وانتشارها في المغرب ما تزال موضوع روايات وتحليلات متعددة. وهذا يعني أن وجودها في غابة أو حي لا يكشف وحده عن مصدرها، بل يفرض البحث في مكان التصنيع أو الخلط، والمواد الأولية، والممولين، وشبكة التوزيع.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المشهد الأمني إلى مجرد استعراض مؤقت. حملات التمشيط والانتشار داخل الغابات قد تكون ضرورية لحماية الناس وتوقيف المطلوبين، لكنها لن تنهي المشكلة إذا بقيت ظرفية. فالمروج الذي يختفي اليوم قد يعوضه مروج آخر غداً، وقد تنتقل نقطة البيع من غابة إلى حي أو مستودع أو مكان معزول. تغيير الموقع لا يعني تفكيك الشبكة.

المطلوب هو الانتقال من مكافحة الواجهة إلى تفكيك البنية. وهذا يقتضي فتح تحقيقات مالية موازية للتحقيقات الأمنية، وتتبع مصدر الأموال، وتحليل الاتصالات بإذن قضائي، وربط الملفات المتشابهة بين بنسليمان والمحمدية وبوزنيقة والدار البيضاء، ومقارنة أنواع المخدرات وتغليفها وتوقيت وصولها. كما يقتضي التنسيق بين الدرك الملكي والأمن الوطني والجمارك والنيابة العامة والمصالح الصحية، لأن كل جهة قد تملك جزءاً من الصورة، بينما لا تكتمل الصورة إلا بجمع هذه الأجزاء.

وتؤكد الأمم المتحدة أن أسواق المخدرات تتغير باستمرار، وأن الشبكات الإجرامية تستفيد من الأزمات وتطوّر أساليبها، وأن الاتجار بالمخدرات يرتبط بالأرباح والعنف في بلدان المنشأ والعبور والاستهلاك. لذلك لا يجوز النظر إلى غابة 33 باعتبارها ظاهرة معزولة عن محيطها. الغابة قد تكون مرآة لمشكلة أكبر، وقد تكون نقطة تكشف وجود طلب محلي وشبكات توريد قادرة على نقل مواد مختلفة إلى مناطق متعددة.

كما أن الإعلام مطالب بأن يخرج من منطق الإثارة إلى منطق المساءلة. ليس المطلوب فقط تصوير القوات العمومية وهي تنتشر داخل الغابة، أو نقل أخبار المداهمات، أو وصف المكان بأنه وكر للجريمة. المطلوب أن يسأل الإعلام: ما الذي أثبته التحقيق؟ هل تم الوصول إلى ممولين وموردين؟ هل جرى تتبع الأموال؟ هل تم تحديد مصدر المواد المحجوزة؟ هل هناك تشابه بين المحجوزات في غابة 33 ومحجوزات مناطق أخرى؟ وهل انتهت الحملات إلى تفكيك شبكة أم إلى توقيف أفراد من الحلقة الأخيرة؟

إن توجيه الضوء كله إلى غابة 33 قد يكون مفيداً إذا قاد إلى كشف الحقيقة، لكنه يصبح مضراً إذا جعل الغابة كبش فداء لمشكلة أوسع. فالسكان ليسوا هم الشبكة، والغابة ليست بالضرورة المصنع، والمروج الصغير ليس بالضرورة العقل المدبر. وإذا كانت هناك جهات تستفيد من هذه التجارة، فإن كشفها يحتاج إلى تحقيق هادئ وطويل ودقيق، لا إلى ضجيج مؤقت ينتهي بانتهاء الحملة الأمنية.

الحقيقة التي يجب أن تبحث عنها الأجهزة الأمنية والقضائية ليست فقط حقيقة ما جرى داخل الغابة، بل حقيقة الطريق الذي سلكته المخدرات حتى وصلت إليها. من أين خرجت؟ من نقلها؟ من دفع ثمنها؟ من وفر الحماية أو التسهيلات إن ثبت وجودها؟ ومن كان يعلم بانتقالها بين المدن؟ هذه هي الأسئلة التي تقود إلى المنبع، أما الاكتفاء بمطاردة الباعة داخل الغابة فليس سوى معالجة للفرع وترك للأصل.

غابة 33، في نهاية المطاف، قد تكون مجرد محطة. وإغلاق محطة واحدة قد يدفع الشبكة إلى البحث عن محطة أخرى. أما إغلاق المنبع، فيتطلب تتبع المال، وتحليل الاتصالات، وتحديد الموردين، وربط الملفات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه. فالمعركة الحقيقية لا تبدأ من الغابة ولا تنتهي عندها؛ إنها تبدأ من السؤال الذي يحاول الجميع أحياناً تجنبه : من أين جاءت هذه المخدرات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!