
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لم يعد في الخطاب الجزائري داخل أروقة الأمم المتحدة متسع للمواربة. فقد عبّر ممثل الجزائر الدائم، في مداخلة أمام المنتظم الأممي، عن رفض بلاده قرارات مجلس الأمن، وقال : “لا يمكن لأحد أن يمنح السيادة على الإقليم، لا ولا حتى مجلس الأمن”. وبهذه العبارة تقرّ الجزائر ضمناً بأنها لا ترى نفسها مجرد طرف في النزاع، بل جهة تضع موقفها فوق أعلى هيئة أممية مكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
ولم يقف المندوب الجزائري عند هذا الحد، إذ حاول تحديد من له الصفة في التحدث باسم الصحراويين، معتبراً البوليساريو صاحبة الحق الوحيد في ذلك. ويُقرأ هذا الموقف على أنه استباق لتوصية محتملة في قرار هذه السنة تفتح الباب أمام المنتخبين الصحراويين داخل الأقاليم الجنوبية، أو أمام صحراويين يقبلون بحكم ذاتي تحت السيادة المغربية. وقد تكاثرت التصريحات الاستباقية من وزير الخارجية الجزائري، ومن ممثل البوليساريو، وأخيراً من ممثل الجزائر في نيويورك.
وفي محاولة لتبرير عجز دبلوماسيتها عن مجاراة نظيرتها المغربية، ردت الجزائر إخفاقها إلى الاتفاق الثلاثي الذي جمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن المستجدات “ثمرة صفقة مشينة على حساب الفلسطينيين أولاً ثم الصحراويين ثانياً”. غير أن هذا التفسير يتجاهل أن الجزائر نفسها سعت إلى كسب ود واشنطن دون جدوى. ويكفي مثالاً أنها صوتت لصالح القرار المتعلق باتفاق ترامب بخصوص غزة، في الوقت الذي امتنعت فيه روسيا والصين عن التصويت، ولم تجنِ من ذلك أي مكسب.
أما الجديد هذه السنة فهو الإلحاح على ملف اللاجئين، الذي تكرر على لسان المسؤولين الجزائريين وقادة البوليساريو. فبينما قال وزير الخارجية الجزائري إن القضية لا يمكن اختزالها في مسألة لاجئين، أقر المندوب الدائم بتراجع المساعدات الإنسانية وانحسارها بسبب تزايد حالات الطوارئ حول العالم، مضيفاً أن الحل لا يكمن في تقليل عدد اللاجئين المحتاجين إلى المساعدة. ويطرح هذا الإصرار على استمرار احتضان المخيمات أسئلة مشروعة، في ظل الوضع الهش الذي تعيشه الساكنة المحتجزة هناك، وفي ظل ما يراه المغرب أطماعاً توسعية جزائرية. وربما يدعو القرار الأممي الجديد إلى إخلاء المخيمات وعودة الصحراويين إلى أرض الأجداد في المملكة المغربية، على أن يتم ذلك بعد إحصاء يحدد الصحراوي المغربي من غيره.
وفي ما يشبه الإقرار بأن الحسم قد تم، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح الإطار الوحيد للتفاوض، قال المندوب الجزائري: «لا يمكن أن يكون الحل عادلاً ودائماً إن فُرض باعتباره نقطة انطلاق ونقطة وصول». وهو كلام يعكس إدراكاً بأن ميزان الموقف الدولي لم يعد في صالح الطرح الانفصالي.
ومن ثم يمكن الجزم بأن الخطوط العريضة للقرار الأممي لهذه السنة قد تحددت. وقد فوجئ الجزائريون من جديد بقوة الدبلوماسية المغربية، التي تعتمد الصمت مبدأً ولا تتكلم إلا بلغة الانتصارات.