
المصطفى الجوي – موطني نيوز
بحسب المعطيات المتاحة، حتى 11 أكتوبر 2026، بالجزم بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيوجّه ضربة إلى إيران “في أقرب وقت”، و أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيقرر تأجيل الانتخابات. لأن ما تثبته الوقائع هو أن المنطقة تعيش تصعيداً واسعاً، وأن هامش الخطأ بين الردع والحرب المفتوحة يضيق، وأن خطوط المواجهة لم تعد محصورة في الجبهة الإيرانية ـ الإسرائيلية، بل امتدت بوضوح إلى اليمن والممرات البحرية وأسواق الطاقة.
فقد سبق وأعلن دونالد ترامب في 8 أكتوبر أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، متحدثاً عن “مناقشات مثمرة” مع طهران لإنهاء الحرب. لكن هذا الإعلان لا يساوي اتفاقاً سياسياً، ولا يلغي الخيارات العسكرية اللاحقة. وتفيد رويترز بأن واشنطن وطهران تبادلتا مقترحات لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما رفض ترامب أحدث عرض إيراني، واستمرت الخلافات حول تخصيب اليورانيوم ومخزون إيران النووي. النتيجة الأهم هنا أن السياسة الأميركية تبدو معلقة بين الضغط والتفاوض والتهديد، ومن يدري قد تكون اتخذت قراراً غير معلناً بضربة وشيكة.
أما في إسرائيل، نقلت تقارير عن رئيس هيئة الأركان إيال زامير أنه حذّر مسؤولين أميركيين من أن تجدد القتال مع إيران قرب موعد الانتخابات المقرر في 27 أكتوبر قد يجعل إجراءها في موعدها صعباً. ونقلت “يديعوت أحرونوت” أن الجيش الإسرائيلي أبقى سلاح الجو والاستخبارات العسكرية في حالة تأهب، وأنه يحدّث بنك أهداف داخل إيران، مع تأكيد أن الجيش لم يعلّق رسمياً على هذه المعلومات . أما “تايمز أوف إسرائيل” فأشارت إلى تقرير للقناة 12 عن استعداد لضربة كبيرة خلال أسابيع، لكنها أوردت في الوقت نفسه تصريح ترامب المناقض لذلك، وذكّرت بأن رواية الاستعداد العسكري تستند إلى مصادر غير معلنة. لذلك فإن الحديث عن “تأجيل الانتخابات” يجب أن يوصف باعتباره احتمالاً أمنياً جرى بحثه، لا قراراً سياسياً اتُخذ. كما أن التحذير من تأثير الحرب على الانتخابات لا يعني أن نتنياهو يملك منفرداً سلطة تعطيلها أو تمديدها خارج الأطر القانونية والسياسية الإسرائيلية.
المؤكد ميدانياً هو أن الحرب اتخذت في اليمن مساراً أكثر خطورة. فقد أفادت رويترز بأن هجمات حوثية على مطار الرياض أوقعت ثلاثة قتلى، وأصابت آخرين، وألحقت أضراراً بطائرة، وتسببت في إلغاء رحلات جوية. وردّت السعودية بضربات على أهداف حوثية في صنعاء، بينما كثّف الحوثيون هجماتهم الصاروخية وهددوا بضرب منشآت النفط وإغلاق المجال الجوي السعودي. هذه التطورات لا تثبت فقط زيادة حدة القتال، بل تكشف آلية انتقال الحرب من صراع بين دول إلى نزاع متعدد الساحات، تتداخل فيه الجبهات اليمنية والخليجية والبحر الأحمر.
وتزداد المخاطر لأن الممرات البحرية أصبحت جزءاً مباشراً من المعركة. تقول رويترز إن عدد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز بلغ في الأسبوع السابق أعلى مستوياته منذ بدء الحرب، وإن عدد السفن العابرة هبط إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من شهرين. كما نقلت عن مصادر إقليمية أن طهران هددت باستهداف طرق بديلة لتصدير النفط إذا اعتبرتها محاولة للالتفاف على سيطرتها على المضيق، مع احتمال استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الزوارق لردع السفن. وبصرف النظر عن قدرة إيران على تنفيذ كل تهديداتها، فإن مجرد ارتفاع كلفة التأمين وتعطل الملاحة يضغط على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. والحرب البحرية لا تبقى في البحر؛ فهي تنتقل سريعاً إلى الوقود والنقل والتضخم والأمن الغذائي.
من هذه الزاوية، فإن التحذير من اتساع رقعة الحرب ليس مبالغة كاملة، لكنه يحتاج إلى صياغة دقيقة. هناك بالفعل مؤشرات على تمدد الصراع : هجمات على مطارات ومنشآت، توتر حول مضيقي هرمز وباب المندب، مشاركة سعودية مباشرة في العمليات ضد الحوثيين، واستعدادات عسكرية إسرائيلية وأميركية. غير أن الانتقال من هذه المؤشرات إلى التنبؤ بحرب شاملة أو بظهور “بؤر سرية” جديدة يتطلب أدلة لا تقدمها المعلومات المتداولة. التعتيم على اسم مناطق محتملة لا يحوّل التوقع إلى معلومة، بل قد يزيد الشائعات ويصعّب على الجمهور التمييز بين التحليل والتحريض على الخوف.
أما القول إن “نظام طهران صار من الماضي” وإن الدور حان لمحو حزب الله والحوثيين وسائر الميليشيات، فهو قراءة سياسية حادة لا نتيجة مثبتة. صحيح أن دراسة صادرة عن مركز بلفر في جامعة هارفارد ترى أن نموذج الوكلاء الإيرانيين تعرض لتآكل بسبب الخسائر العسكرية واختراقات الاستخبارات وفقدان القيادات والضغوط المالية وتراجع الشرعية، وأن حزب الله والميليشيات العراقية واجها مشكلات في التماسك والقدرة على العمل المنسق. لكن الدراسة نفسها تحذر من أن هذا التآكل قد ينتج فراغات أمنية وتفككاً محلياً، لا انتقالاً تلقائياً إلى الاستقرار أو اختفاء الجماعات المسلحة.
والأهم أن وصف كل هذه الجماعات بأنها أدوات متطابقة تتحرك بأمر واحد من طهران يختزل واقعاً أكثر تعقيداً. تحليل لمعهد واشنطن يشير إلى أن حزب الله يرتبط بإيران ارتباطاً عضوياً عميقاً، لكنه يوضح في المقابل أن قرار الحوثيين بالمشاركة في الحرب يتأثر بحساباتهم اليمنية وبعلاقتهم مع السعودية وبقدرتهم على تحمل الضربات. ويؤكد التحليل أن الحوثيين نشأوا من ديناميات سياسية وعسكرية يمنية مستقلة، وأنهم ليسوا مجرد نسخة من وكيل خارجي يتلقى التعليمات آلياً . لذلك قد يؤدي الضغط على إيران إلى إضعاف بعض الشبكات، لكنه قد يدفع شبكات أخرى إلى مزيد من الاستقلالية أو إلى تصعيد يخدم بقاءها المحلي.
التجربة التاريخية للصراعات الإقليمية لا تسند فرضية أن الضربات الكبيرة تنهي بالضرورة نفوذ الخصم. فقد تضعف القيادة أو مخازن السلاح، لكنها قد تخلق دوافع للانتقام، وتعيد تشكيل الجماعات المسلحة، وتفتح المجال أمام فاعلين جدد.
وفي اليمن تحديداً، يمكن أن يؤدي تراجع الحوثيين عسكرياً إلى تقوية الحكومة المعترف بها دولياً، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تفكك خطوط السيطرة وتنافس قوى محلية متعددة. وفي لبنان والعراق، لا يكفي إضعاف القدرات القتالية ما لم يترافق ذلك مع مؤسسات دولة قادرة على إدارة السلاح والحدود والاقتصاد. وإلا فإن “نهاية الأذرع” قد تتحول إلى مرحلة أطول من الفوضى المسلحة.
أما عام 2027، هناك معطيات متاحة تجعله “عام الشرارة” المؤكد. يمكن اعتباره أفقاً زمنياً محتملاً إذا فشلت قنوات التفاوض، واستمرت أزمة المضائق، وتراكمت الضربات المتبادلة، وفشلت الدول المعنية في ضبط حلفائها. لكنه قد يكون أيضاً عام التهدئة إذا قادت الضغوط الاقتصادية والمخاوف الانتخابية وكلفة الحرب إلى تسوية مؤقتة. التنبؤ الجاد لا يختار سنة باعتبارها قدراً؛ بل يحدد مؤشرات ينبغي مراقبتها : فمصير المحادثات الأميركية ـ الإيرانية، وضع الملاحة في هرمز وباب المندب، نطاق الضربات على منشآت الطاقة، مستوى تدخل السعودية وإسرائيل، وقدرة الحكومات المحلية على منع الفصائل من فتح جبهات جديدة.
الاحتياط المدني في مثل هذه الظروف مفهوم ومشروع، لكن النصيحة العامة بتأجيل السفر لا ينبغي أن تتحول إلى إنذار شامل من دون تحديد البلدان والممرات التي تصدر بشأنها تحذيرات رسمية. فالمسافر يحتاج إلى الرجوع إلى إرشادات سلطات الطيران والخارجية وشركات النقل، ومراجعة التأمين وخطط الإجلاء، والابتعاد عن مناطق العمليات والمنشآت العسكرية وممرات الشحن المعرضة للهجمات. أما نشر أخبار عن ضربة وشيكة أو “محو” جماعات بأكملها من دون إسناد واضح، فقد يضر أكثر مما ينفع، لأنه يرفع الذعر ولا يساعد الناس على اتخاذ قرار عقلاني.
المشهد الحالي خطير بما يكفي من دون إضافة يقين زائف إليه. فالمؤكد هو تصعيد متعدد الجبهات، وتهديد متزايد للملاحة والطاقة، واستعدادات عسكرية، وتوتر سياسي يلامس الانتخابات. أما توقيت الضربة الأميركية، ومصير الانتخابات الإسرائيلية، وقدرة إيران على مواصلة شبكة نفوذها، وشكل عام 2027، فكلها مسائل مفتوحة على عدة احتمالات. وظيفة الصحافة الاستقصائية هنا ليست ترديد أكثر الروايات إثارة، بل اختبارها : من قال ماذا؟ ما الذي تؤكده مصادر مستقلة؟ ما الذي يستند إلى مصدر مجهول؟ وما السيناريوهات البديلة التي قد تمنع الانفجار أو تجعله أسوأ؟ في منطقة تقف على حافة الخطأ، يصبح الفصل بين الخبر والتوقع جزءاً من السلامة العامة، لا مجرد تمرين لغوي.