
ليان الكرمي – موطني نيوز
مع انحسار موجات الحر الشديد وبدء تساقط الأمطار الأولى في شهر سبتمبر، يجد آلاف النازحين في قطاع غزة أنفسهم أمام معاناة جديدة، تضاف إلى سلسلة طويلة من الأزمات التي أثقلت حياتهم. فبعد أشهر من مواجهة درجات الحرارة المرتفعة داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، بات عليهم الاستعداد لفصل الأمطار والبرد، وسط نقص حاد في المستلزمات الأساسية وارتفاع أسعارها بصورة تفوق قدرتهم على الاحتمال.
وتبرز أزمة أغطية العزل المائي، المعروفة محلياً باسم «الشادر»، مثالاً واضحاً على هذه المعاناة. فهذه الأغطية، التي يفترض أن تكون وسيلة بسيطة لحماية العائلات من تسرب مياه الأمطار، أصبحت سلعة يصعب الحصول عليها، في ظل شكاوى من ندرتها وارتفاع أسعارها. ولم تعد المشكلة مقتصرة على الشوادر، بل امتدت إلى مستلزمات الإيواء والطاقة والوقود، التي بات الحصول عليها تحدياً يومياً للأسر النازحة.
لكن الأزمة لا تتعلق بندرة الموارد وحدها، بل تطرح تساؤلات جدية حول آليات توزيعها والرقابة على الأسواق. ففي بيئة اقتصادية أنهكتها الحرب، ومع تراجع المؤسسات الرقابية واضطراب سلاسل الإمداد، تتسع فرص الاحتكار والمضاربة واستغلال حاجة السكان. وهنا يتحول ما يفترض أن يكون حقاً إنسانياً أساسياً إلى سلعة تخضع لمنطق الربح، حتى عندما يكون المشتري عائلة فقدت منزلها ومصدر رزقها.
ولا يمكن مناقشة هذا الواقع بمعزل عن مسؤولية الجهات التي تدير الشأن الداخلي في قطاع غزة، وفي مقدمتها حركة حماس. فسنوات حكم الحركة تفرض تساؤلات مشروعة بشأن الشفافية والرقابة على الأسواق، وآليات إدارة الموارد، ومدى القدرة على منع الفساد والاستغلال. كما أن أي اتهامات تتعلق بالاتجار بالمساعدات أو التربح من احتياجات المدنيين تستوجب تحقيقات مستقلة تكشف المسؤوليات بعيداً عن التوظيف السياسي.
وفي الوقت ذاته، لا يجوز تجاهل أثر القيود المفروضة على دخول السلع والمساعدات، والدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية وشبكات التوزيع. فمعالجة السوق السوداء تبدأ بضمان تدفق الإمدادات بصورة كافية ومنتظمة، بالتوازي مع إنشاء منظومة رقابية شفافة تمنع الاحتكار وتحمي المستهلكين.
إن استمرار هذه الظروف يؤكد الحاجة إلى دور رقابي وإنساني دولي أكثر فاعلية، وإلى مراجعة جادة لنموذج إدارة القطاع، بما يضمن وجود مؤسسات خاضعة للمساءلة، وقادرة على إدارة الموارد والمساعدات وفق احتياجات السكان، لا وفق المصالح السياسية أو التجارية.
فأهالي غزة الذين فقدوا بيوتهم وأمانهم لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم مضطرين لدفع أثمان مضاعفة مقابل أبسط وسائل البقاء. ولا يجوز أن تتحول معاناتهم إلى فرصة للإثراء أو وسيلة لتعزيز النفوذ.
غزة لا تحتاج فقط إلى مزيد من المساعدات، بل إلى إدارة عادلة وشفافة تضمن وصولها إلى مستحقيها. فالنازح الذي يبحث عن شادر يحمي أطفاله من المطر لا يطلب امتيازاً، بل حقاً أساسياً في الأمان والكرامة الإنسانية.