الصخيرات-تمارة : انتخابات 2026 تعيد رسم التوازنات الانتخابية…دروس التحول واستشرافات 2027

السيد عبد الله رحيوي مدير موطني نيوز

عبد الله رحيوي – موطني نيوز

اليوم، لم يعد سبقا صحفيا تقديم النتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بدائرة الصخيرات –تمارة التي أفرزت خريطة انتخابية مغايرة بشكل واضح لتلك التي أفرزتها انتخابات 2021. بعد تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج بـ 19291 صوتا، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة بـ 10788 أصوات، ثم الاتحاد الدستوري بـ 9654 أصوات، فالاستقلال بـ 7057 أصوات، فيما تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى 6938 أصوات.
نعم، تكتسي هذه النتائج أهمية أكبر بالنظر إلى أنها تحققت في سياق اتسم بانخفاض واضح في نسبة المشاركة، التي بلغت سنة 2026 حوالي 35,26%، مقابل 46,84% سنة 2021، أي بتراجع قدره 11,58 نقطة مئوية. وهو معطى أساسي في قراءة النتائج، لأن التغير في عدد الأصوات لا يمكن فصله عن تغير حجم المشاركة الانتخابية.

وبالعودة إلى انتخابات 2021، كان التجمع الوطني للأحرار قد تصدر الدائرة بـ22219 صوتا، متبوعا بالاتحاد الدستوري بـ16824 صوتا، ثم الأصالة والمعاصرة بـ15545 صوتا، فالاستقلال بـ12877 صوتا، فيما لم يحصل حزب العدالة والتنمية سوى على 5398 أصوات. وقد توزعت المقاعد الأربعة آنذاك بين التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والأصالة والمعاصرة والاستقلال.

أما عند وضع أرقام الاستحقاقين وجها لوجه، فإن حجم التحول يصبح أكثر وضوحا، بل يصعب تجاهله. فقد ارتفع رصيد العدالة والتنمية من 5398 إلى 19291 صوتا، أي بزيادة قدرها 13893 صوتا. وفي المقابل، فقد التجمع الوطني للأحرار 15281 صوتا، متراجعا من 22219 إلى 6938 صوتا. كما تراجع الاتحاد الدستوري بـ7170 أصوات، والاستقلال بـ5820 أصوات، والأصالة والمعاصرة بـ4757 أصوات.

وهكذا، فإن التحول لا يمكن اختزاله في مجرد تقدم العدالة والتنمية، لأن التراجع طال جميع الأحزاب التي كانت تشكل الخريطة الأساسية للدائرة سنة 2021، وإن بدرجات متفاوتة. كما أن انخفاض المشاركة بـ11,58 نقطة مئوية يفرض الحذر من اعتبار كل الأصوات التي فقدتها الأحزاب قد انتقلت بالضرورة إلى منافسيها؛ فجزء من هذا التراجع قد يكون مرتبطا أيضا بإحجام ناخبين عن المشاركة.

السؤال الجوهري: لماذا سقط حزب التجمع الوطني للأحرار؟ الإجابة لا يمكن أن تكون فقط أن حزب العدالة والتنمية تقدم، لأن هذا التفسير لا يفسر لوحده حجم التراجع الذي عرفه التجمع الوطني للأحرار، كما لا يفسر التراجع الذي طال باقي الأحزاب التي استطاعت، رغم خسارتها جزءا من رصيدها، الحفاظ على قدر من حضورها الانتخابي.

وتطرح هذه النتائج فرضية تتعلق بطبيعة الرصيد الانتخابي الذي حصل عليه التجمع الوطني للأحرار سنة 2021، ومدى ارتباط جزء منه بعوامل ظرفية أو بشبكات تعبئة انتخابية لم تتحول بالضرورة إلى حضور سياسي واجتماعي مستدام. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون شخصية المرشح، وحضوره السياسي، وطبيعة علاقته بالناخبين، من بين العوامل التي تستحق الدراسة. كما تطرح النتائج تساؤلا حول مدى قدرة النفوذ الانتخابي المبني، إذا ثبت وجوده، على الإمكانيات المالية والتعبئة الظرفية، على الاستمرار في غياب ركائز أخرى أكثر استدامة، من قبيل الحضور الميداني المنتظم، والإنصات للمواطنين، والتفاعل مع قضاياهم، والحفاظ على علاقة مستمرة معهم خارج فترات الانتخابات.

ولا تعني هذه القراءة أن الإمكانيات المالية أو شبكات التعبئة كانت وحدها وراء نتيجة 2021 أو وراء تراجع 2026؛ فالأرقام الانتخابية، في حد ذاتها، لا تسمح بإثبات علاقة سببية من هذا النوع. لكنها تفتح الباب أمام فرضية مفادها أن الرصيد الانتخابي، مهما بلغ حجمه، يحتاج إلى تحويله إلى حضور سياسي ومجتمعي مستمر حتى يصبح أكثر قابلية للصمود أمام تغير المزاج الانتخابي.

وفي المقابل، فإن صعود العدالة والتنمية من 5398 صوتا سنة 2021 إلى 19291 صوتا سنة 2026 يمثل تحولا لافتا، خصوصا أنه تحقق في سياق تراجعت فيه نسبة المشاركة بشكل كبير. كما أن ترشيح إدريس الأزمي الإدريسي، وهو من أبرز قيادات الحزب، أعطى المنافسة وجها مختلفا، في وقت كان الحزب يسعى إلى استعادة موقعه الذي فقده بالكامل سنة 2021.

غير أن ارتفاع رصيد العدالة والتنمية بـ13893 صوتا لا يعني بالضرورة أن جميع الأصوات التي خسرها التجمع الوطني للأحرار أو الأحزاب الأخرى انتقلت إليه مباشرة. فالتراجع المتزامن لعدة أحزاب، إلى جانب انخفاض المشاركة من 46,84% إلى 35,26%، يدل على وجود عوامل أوسع مرتبطة بتغير اختيارات الناخبين، وبإعادة ترتيب الأولويات والولاءات الانتخابية، وبمدى قدرة كل حزب على تعبئة قواعده الانتخابية.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر دقة: هل نحن أمام انتقال فعلي للأصوات بين الأحزاب، أم أمام إعادة تشكيل للخريطة الانتخابية بفعل عاملين متزامنين: انتقال جزء من الأصوات، وامتناع جزء آخر عن المشاركة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى معطيات أكثر تفصيلا، خصوصا عدد المسجلين، وعدد المصوتين، والأصوات الصحيحة، وتوزيع الأصوات حسب مكاتب التصويت، بما يسمح بتحديد طبيعة التحول داخل الدائرة بصورة أدق. وفي المحصلة، تكشف انتخابات 2026 عن إعادة ترتيب واضحة للخريطة الانتخابية بالصخيرات–تمارة مقارنة بسنة 2021: العدالة والتنمية يتقدم بقوة، التجمع الوطني للأحرار يتراجع بشكل حاد، وباقي الأحزاب تسجل بدورها خسائر متفاوتة، في سياق تراجعت فيه المشاركة بـ11,58 نقطة مئوية.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن ربح ومن خسر في هذه الدورة، وإنما بما إذا كانت هذه التحولات ستتحول إلى اتجاه انتخابي مستدام أم ستظل مرتبطة بظرفية استحقاق معين وبطبيعة المرشحين وحجم التعبئة التي رافقت انتخابات 2026.

2027 : الاختبار الحقيقي لاستمرارية التحول وفي أفق الانتخابات الجماعية المقبلة، المرتقبة سنة 2027، فإن هذه الخريطة ستدخل اختبارا جديدا ومختلفا. فالانتخابات الجماعية ترتبط بصورة أكثر مباشرة بتدبير الشأن المحلي وبالأداء اليومي للمنتخبين داخل الجماعات، وهو ما يجعل الحضور الميداني، والإنصات للمواطنين، والتفاعل مع قضاياهم، عوامل يمكن أن تكتسب أهمية أكبر.

وبالتالي، فإن سنة واحدة قد تكون كافية لإعادة ترتيب الأوراق، خصوصا بالنسبة للأحزاب التي تراجعت نتائجها في 2026، كما قد تمنح الأحزاب التي حققت تقدما فرصة لترسيخ موقعها محليا. ومن ثم، لا ينبغي التعامل مع خريطة 2026 باعتبارها نتيجة نهائية لموازين القوى داخل الصخيرات–تمارة، وإنما باعتبارها مؤشرا على تحولات ستحتاج إلى اختبار جديد في الاستحقاق الجماعي المقبل.

ويبقى السؤال الأهم : هل يمثل التحول الذي أفرزته انتخابات 2026 إعادة توزيع ظرفية للأصوات، أم أنه يعكس انتقالا أكثر عمقا في اختيارات الناخبين وفي طبيعة النفوذ السياسي المحلي؟ الإجابة ستتحدد، إلى حد كبير، خلال السنة الفاصلة عن انتخابات 2027، من خلال مدى قدرة الأحزاب والمنتخبين على الحفاظ على صلتهم بالمواطنين وتحويل الرصيد الانتخابي إلى حضور محلي مستمر.

هذه القراءة الاستشرافية ينبغي أن تؤخذ بجدية من طرف كل من يعتزم الاستمرار في تدبير الشأن المحلي، كما من طرف من يستعد لخوض غمار الاستحقاقات المقبلة لأول مرة، أو يسعى إلى استدراك إخفاق سابق. فالمنافسة على ثقة الناخب لا تبدأ يوم فتح أبواب الحملات الانتخابية، وإنما تبنى على امتداد الزمن، من خلال الحضور والقرب والإنصات والقدرة على التفاعل مع انتظارات المواطنين.

ومن ثم، فإن كسب تعاطف الناخب، أو بالأحرى كسب ثقته، يقتضي أولا تحصين الرصيد المحلي من تداعيات وعواصف الشأن الحكومي والتشريعي، لأن الناخب المحلي لا يفصل دائما بين ما يتخذ على المستوى الوطني وما يعيشه يوميا داخل جماعته. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي الوطني والممارسة المحلية، أصبح من الصعب على الفاعل المحلي أن يعزل صورته الانتخابية عن حصيلة حزبه وموقعه في المشهد الوطني.

وعليه، فإن استحقاق 2027 قد لا يكون مجرد موعد انتخابي جديد، بل سيكون، بالنسبة إلى عدد من الفاعلين المحليين، اختبارا لقدرتهم على تحويل الحضور الانتخابي إلى ثقة مستدامة، وعلى حماية رصيدهم المحلي من كلفة القرارات والمواقف التي تتخذ خارج مجالهم الترابي، مع الاستمرار في الإنصات للمواطنين والتفاعل الفعلي مع قضاياهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!