حين تصبح الكتابة تهمة

الدكتورة عافية صابر
الدكتورة عافية صابر

بقلم د . عافية صابر – موطني نيوز

كتبتُ نصًا بعنوان «هكذا صرتُ أنا»، فاستوقفتني إحدى المعلقات بعبارة تحمل في ظاهرها إعجابًا، وفي باطنها سؤالًا: «تكتبين وكأنك مي زيادة»، ثم أتبعتها بما هو أكثر غرابة: «أسلوبك أسلوب شات جي بي تي».

توقفت عند العبارة طويلًا، لا لأنني شعرت بالإساءة، وإنما لأنني وجدت فيها سؤالًا أكبر من مجرد تعليق على نص: هل أصبح جمال الأسلوب اليوم دليلًا على أن صاحبه لم يكتبه؟

نحن نعيش زمنًا تغيرت فيه علاقة الإنسان بالكلمة. أصبح القارئ يشك في النص إذا كان مرتبًا، ويشك في الكاتب إذا كانت عبارته متماسكة، ويبحث أحيانًا عن تفسير سهل: لا بد أن الذكاء الاصطناعي كتبه!

وأنا لا أخجل من القول إنني أعيش في زمن التكنولوجيا وأستفيد من أدواتها. فالكاتب اليوم يستطيع أن يستعين بالقاموس الإلكتروني، والمراجع الرقمية، وبرامج التدقيق، وأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل العمل. لكن الأداة لا تصنع التجربة، ولا تمنح الإنسان ذاكرته، ولا تختلق له ألمه وفرحه وخيباته وانتصاراته.

قد تساعدك الآلة على ترتيب جملة، لكنها لا تستطيع أن تعيش حياتك بدلًا منك.

أنا لم أبدأ الكتابة أمس. قبل أن تعرف أدوات الذكاء الاصطناعي طريقها إلى حياتنا، كانت الكتب هي معلمي الأول، وكانت القراءة هي مدرستي الطويلة. قرأتُ الأدب، وتأثرت بكتاب كبار، وتعلمت من أساليبهم، ثم أخذت مع الزمن ما يناسبني وتركت ما لا يشبهني.

وإذا وجد أحد في كتابتي شيئًا من روح مي زيادة، فسأبتسم وأعتبر ذلك أجمل مقارنة يمكن أن تصل إلى كاتبة. لكنني لا أريد أن أكون مي زيادة، كما أنني لا أريد أن أكون نسخة من أحد.
أنا عافية صابر.

لي صوتي، وتجربتي، وأخطائي، وطريقتي في النظر إلى الأشياء.

وحتى لو استعنت بأداة حديثة، فإنني لا أستعير منها حياتي. هي لا تعرف أمي كما أعرفها، ولا تعرف أبي كما عرفته، ولا عاشت معي لحظات ضعفي وقوتي، ولا تعرف كم مرة كتبت جملة ثم محوتها لأنني شعرت أنها لا تشبهني.

الكاتب الحقيقي لا يُقاس فقط بمن كتب الجملة، وإنما بما يقف خلف الجملة.

لهذا، لا أرى في سؤال: «هل كتبتِ هذا بنفسك؟» إهانة بالضرورة. بل أراه فرصة لأقول شيئًا بسيطًا:
استخدموا التكنولوجيا، لكن لا تجعلوا التكنولوجيا تلغي الإنسان.

فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع أن يقلد أسلوب كاتب، لكنه لا يستطيع أن يكون هو ذلك الكاتب.

وقد يكتب نصًا جميلًا، لكنه لا يملك حياة النص ولا ذاكرته ولا سببه.

أما أنا، فسأواصل الكتابة.

قد أخطئ في عبارة، وقد تكون لي جملة متواضعة، وقد يختلف معي قارئ في فكرة أو أسلوب، وهذا كله مقبول.

لكنني لن أعتذر عن أنني أحب اللغة، ولن أعتذر عن أنني أكتب بعاطفة، ولن أعتذر إذا وجد أحد في نصوصي شيئًا من رائحة الأدب القديم.

فالكاتب لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أنه كاتب؛ يكفي أن يواصل الكتابة.

أما الزمن، فهو وحده القادر على أن يفرّق بين من يكتب لأن لديه شيئًا يقوله، ومن يكتب فقط لأن لديه شيئًا ينشره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!