210 مليار درهم ومعركة خفية على من يتحكم في “صندوق التنمية الترابية المندمجة” قبل الانتخابات

صندوق التنمية الترابية المندمجة
صندوق التنمية الترابية المندمجة

المصطفى الجوي – موطني نيوز

بعد تطرقنا ليلة أمس لموضوع الخطأ الذي جاء بالجريدة الرسمية تحت عنوان : “عاجل : خطأ في الجريدة الرسمية أم تمهيد لتعيين جديد على رأس عمالة بنسليمان؟”.

كان لابد من الابحار في مضامين ذلك القانون الذي جعل ساكنة إقليم بنسليمان بين مصدق ومشكك في نوايا محرري الجريدة الرسمية، هل هو مقصود أم مجرد سهو وهذا مستبعد. فليس المهم من سيكون عاملا على إقليم بنسليمان فكلهم رجال ونساء الوطن وخدام الدولة الأوفياء. لكن ما يهمنا هو “صندوق التنمية الترابية المندمجة”، والدور المنوط به، وكيف سيخدم البلاد و العباد. وتنويرا للرأي العام وفي اطار دورنا الاعلامي كان لابد من البحث والتقصي.

منذ فاتح يناير 2026، دخل حيز التنفيذ صندوق جديد يحمل اسم “صندوق التنمية الترابية المندمجة”، بموجب المادة السادسة عشرة من قانون المالية لسنة 2026، التي عدّلت وتمّمت أحكام المادة الرابعة والأربعين من قانون المالية رقم 32.93 لسنة 1994 ، القانون التأسيسي الذي أحدث في حينه “صندوق التنمية القروية”، قبل أن يُعاد تسميته سنة 2012 ليشمل المناطق الجبلية. اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يخضع هذا الحساب المرصد لأمور خصوصية لتحول جذري في التسمية والصلاحيات والحجم المالي، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها استجابة مباشرة لتوجيهات الملك محمد السادس الواردة في خطابي عيد العرش وافتتاح الدورة التشريعية لسنة 2025.

والصندوق الجديد لم يعد مقتصرا على العالم القروي والمناطق الجبلية كما كان الحال في السابق، بل اتسع ليشمل مختلف المجالات الترابية للمملكة، مع إيلاء أولوية للمناطق الأكثر هشاشة. ويرتكز تدخله على أربعة محاور متكاملة :

  • إنعاش التشغيل عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية.
  • تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية في التعليم والصحة.
  • التدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية.
  • التأهيل الترابي المندمج عبر البنيات التحتية والخدمات الأساسية.

وقد خصّص له قانون المالية لسنة 2026 غلافا أوليا يبلغ 5 مليارات درهم كاعتمادات أداء، مع إمكانية الالتزام المسبق بمبلغ 15 مليار درهم من اعتمادات سنة 2027، ليصل مجموع الغلاف في المرحلة الأولى إلى نحو 20 مليار درهم، في وقت يُقدَّر فيه الغلاف الإجمالي لبرامج التنمية الترابية المندمجة بنحو 210 مليارات درهم على امتداد ثماني سنوات. أما موارده فتتعدد مصادرها بين الاعتمادات المخصصة من الميزانية العامة، ومساهمات الجماعات الترابية، ومساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص، إضافة إلى دعم الهيئات الدولية والهبات والوصايا، وذلك في إطار حكامة تشاركية تشرك المنتخبين والفاعلين المحليين والمجتمع المدني.

لكن خلف هذه الواجهة التقنية للأرقام والمحاور، كشفت مسيرة تشريع هذا الصندوق عن صراع نفوذ حقيقي داخل الأغلبية الحكومية حول جهة الوصاية عليه. فبخلاف ما قد يوحي به الطابع “الإداري” لعملية تغيير التسمية، تضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026 خطوة مؤسساتية لافتة تمثّلت في نقل تدبير الصندوق من وزارة الفلاحة إلى وزارة الداخلية. ولم يمر هذا التحول دون تجاذبات: فخلال مناقشة مشروع القانون، دافع فريق حزب الأصالة والمعاصرة بقوة عن تعديل يقضي بتقاسم الوصاية على الصندوق بين وزارتي الفلاحة والإسكان، في وقت تشبّث فيه حزب التجمع الوطني للأحرار بإبقاء الإشراف الحصري لوزارة الفلاحة. ولم يكتفِ حزب الاستقلال بموقف المتفرج، إذ طالب فريقه النيابي بتمكين وزارة التجهيز من الإشراف على مشاريع الطرق القروية الممولة من الصندوق، ليجد الصندوق نفسه، للمرة الثانية في تاريخه، في قلب لعبة توازنات السلطة داخل الجهاز التنفيذي، تماما كما حدث في تجربة سابقة إبان حكومة عبد الإله بنكيران.

والملفت أن النص النهائي لقانون المالية 2026 اختار في الأخير موقفا محايدا بشأن هوية “الآمر بقبض الموارد وصرف النفقات”، تاركا الباب مفتوحا أمام تحديد هذه الجهة لاحقا عبر النصوص التنظيمية. وهذا الحياد التشريعي لم يكن تفصيلا عابرا، بل عبّر عن حساسية موقع طالما مثّل، إلى جانب وظيفته التنموية، منصة نفوذ داخل الحكومة. وبقي الأمر معلقا إلى أن حسم رئيس الحكومة هذا الغموض جزئيا بإصداره المرسوم رقم 2.26.634 بتاريخ 3 غشت 2026، الذي عيّن بموجبه فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، آمرا بقبض موارد وصرف نفقات صندوق التنمية الترابية المندمجة، لكن “بصفة انتقالية” فقط. وبهذا التعيين، يضاف هذا الملف الاستراتيجي إلى مهام لقجع الذي كان قد أُسندت إليه في الفترة نفسها من السنة الماضية رئاسة “مؤسسة المغرب 2030”.

غير أن وصف التعيين بـ”الانتقالي” لم يُغلق النقاش بقدر ما فتحه من جديد، إذ إنه مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر المقبل، تُطرح تساؤلات مشروعة حول مصير الإشراف على هذا الصندوق الضخم بعد تشكيل حكومة جديدة. هل سيبقى الملف بيد وزير ميزانية جديد؟ أم ستُعاد صياغة هندسة الإشراف عليه من الأساس؟ أسئلة لن تجد جوابها الحاسم إلا بعد استحقاقات شتنبر.

وفي المحصلة، يمثّل صندوق التنمية الترابية المندمجة، من حيث حجمه المالي ومحاوره الأربعة، نقلة نوعية معلنة في مقاربة الدولة لتمويل التنمية المحلية، تنسجم مع توجيهات ملكية واضحة نحو عدالة مجالية شاملة. غير أن التجربة تُظهر أن المسافة بين النص القانوني والتنزيل الفعلي تبقى مرهونة بعامل لا يقل أهمية عن الأرقام، وهو من يملك مفاتيح القرار داخل هذا الصندوق. فبين طموح الـ210 مليار درهم وتوازنات النفوذ الحكومي، يبقى التحدي الحقيقي في فصل الوظيفة التنموية للصندوق عن استعمالها كورقة في صراعات ما قبل الانتخابات، حتى لا تتحول عبارة “التنمية الترابية المندمجة” إلى عنوان كبير لمعركة سياسية صغيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!