خطر القطران في الفخار..هل نأكل السم بأوانينا؟

خطر الأواني المزينة بالقطران
خطر الأواني المزينة بالقطران

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في خطوة تعكس وعياً متزايداً بحقوق المستهلك وسلامة الغذاء، دقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني ناقوس الخطر بشأن استخدام مادة القطران في صناعة الأواني الفخارية المخصصة للاستعمال الغذائي. فما كان يعتبره كثيرون تقليداً عريقاً يضفي على المأكولات نكهة خاصة، تبين أنه قد يحمل في طياته أخطاراً صحية جسيمة، تصل إلى حد التسمم المزمن بفعل تسرب عناصر كيميائية سامة إلى الطعام أثناء الطهي أو التخزين.

فقد كشفت التحاليل المخبرية التي أجراها مختبر متخصص، بتكليف من الوزارة الوصية، عن نتائج صادمة، إذ أثبتت العينات التي تم سحبها من منتجات فخارية مطلية بالقطران احتوائها على نسب مرتفعة من معادن ثقيلة كالألمنيوم والكوبالت والزئبق، وهي عناصر معروفة بتراكمها في الجسم وارتباطها بأمراض عصبية، واضطرابات كلوية، وحتى بأخطار سرطانية في حالات التعرض المطول. وهنا يتجلى السؤال المقلق : كم من وجبات غذائية نستهلكها يومياً في أوانٍ قد تكون ناقلة للسموم بدلاً من أن تكون حافظاً للنكهة؟

وليس هذا الإجراء وليد اللحظة، بل يأتي في سياق استراتيجية وطنية أوسع تسعى إليها كتابة الدولة، تهدف إلى الارتقاء بجودة المنتجات التقليدية وفتح أسواق جديدة أمامها، محلية ودولية، بشرط أن تستوفي شروط السلامة الصحية المعتمدة عالمياً. فالصناعة التقليدية ليست مجرد تراث وجماليات، بل هي قطاع اقتصادي واعد يحتاج إلى التطوير والتأطير، وأولى خطوات التطوير هي ضمان منتج آمن يحمي المستهلك ويعزز ثقته، بدلاً من أن يكون سبباً في عزوفه أو في إغلاق الأسواق العالمية أمامه.

من هنا، جاء تعميم الوزارة الموجّه إلى رؤساء غرف الصناعة التقليدية والمديرين الجهويين والإقليميين، ليحمل توجيهاً صارماً وواضحاً، يطلب تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية عاجلة لفائدة الحرفيين والصناع التقليديين العاملين في مجال الفخار والخزف. الحملات التي لن تقف عند حدود التحذير، بل ستعمل على تقديم البدائل الآمنة والصحية التي تحافظ على جمالية المنتج وخصائصه الوظيفية دون التضحية بصحة الإنسان. فهناك أصباغ طبيعية وطلاءات زجاجية معتمدة يمكن أن تحل محل القطران، وتضمن في الوقت نفسه متانة الإناء ومقاومته للحرارة والتسرب.

وما يعزز أهمية هذه المبادرة، أنها تأتي تزامناً مع حراك عالمي متصاعد نحو مراقبة المواد الملامسة للغذاء، حيث تشدد التشريعات الأوروبية والأمريكية على اختبارات صارمة لكل أداة تُستعمل في تحضير الأكل أو حفظه. ومغربنا، الذي يطمح إلى تعزيز صادراته من المنتجات الحرفية، لا يمكنه أن يغفل هذه المتطلبات، خاصة أن الفخار المغربي يحظى بشهرة عريقة في الأسواق الخارجية، ولكن شهرة يمكن أن تهتز بسرعة إذا ارتبطت بأخطار صحية.

لعل هذه الخطوة تمثل أيضاً لحظة تأمل للحرفي المغربي، الذي يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق: إما التمسك بطرق تقليدية ثبت ضررها العلمي، وإما الانفتاح على تقنيات حديثة تحافظ على هويته وتضمن استمرارية حرفته في السوق. والوزارة، بطرحها هذا الموضوع، لا تنتوي أن تكون جهة عقابية، بل شريكاً في التوعية والمواكبة، تضع بين يدي الصانع المعلومات الدقيقة التي تمكنه من اتخاذ القرار الصحيح، وتضمن له استمرارية نشاطه دون أن يكون سبباً في ضرر يلحق بزبائنه، الذين هم في النهاية جزء من مجتمعه وأسرته.

وإذا كانت نتائج التحاليل قد أثارت القلق، فإنها تفتح أيضاً الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة المواد التقليدية التي نستعملها بلا وعي، وكيف يمكن للمعرفة العلمية أن تتكامل مع التراث الحرفي لتنتج قيمة مضافة حقيقية. فالصحة ليست ترفاً، ولا يمكن المساومة عليها مقابل عادة أو تقاليد، خصوصاً عندما تتوفر الأدوات والحلول التي تمكننا من التمتع بجمال الفخار المغربي دون خوف من سموم خفية تتسرب إلى أطباقنا. وما أجمل أن نرى الأواني الفخارية المغربية تتألق في المطابخ العالمية، لا كقطع زينة فقط، بل كأدوات طهي آمنة تحمل بصمة الأصالة والجودة معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!