
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في مدينة بنسليمان، التي يُطلق عليها سكانها بسخرية مرة “مدينة السيبة”، لا تحتاج إلى خريطة لتكتشف الظواهر الطبيعية الجديدة. اترك السيارة على جانب الطريق، امشِ قليلاً، وستجد المشهد مكتملاً : قطعان الماعز تَرْعَى في وسط الأحياء، كلاب ضالة تتجول بكل أريحية، بهائم شاردة تحول الرصيف إلى مرعى عام، و أطفال الشوارع يفترشون الأرض في مشهد صادم.
الصورة التي أمامكم ليست استعارة. أربعة أطفال (وخامسهم كلبهم) ينامون على الأرض العارية في الشارع العام، متكئين على أغطية بالية كأنها خيام نازحين في مدينة يقال أنها “آمنة”. مشهد يلخص حالة مدينة تحولت فيها الملكية العمومية إلى ملكية مشتركة بين الجميع.
حيث يقول المطلعون إن عددهم لا يتجاوز عشرة أطفال. عشرة فقط. رقم ضئيل إلى درجة أن أي سلطة في العالم كانت ستحرك لهم جيشاً من الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين والأمنيين. لكن في بنسليمان، هؤلاء العشرة يمارسون “كل شيء” سرقة صغيرة، استجداء منظم، تعاطي المخدرات بكل أنواعها (من “الساسيون” إلى “الماحيا” مروراً بما هو أخطر “مخدر الشيرا”).
عاشوا البرد القارس والحر الشديد والأمطار الغزيرة. نجوا من كل تقلبات المناخ وهم في العراء. بل إنهم، في لحظة عبقرية من اليأس، اتخذوا من مركز كهرباء في حي كريم مأوى لهم. خطر كهرومغناطيسي واضح، لكنه أرحم من “قساوة” الشارع.
والجهات المعنية؟ مشغولة جداً. مشغولة برفع الشكايات الكيدية ضد كل من يحاول فتح فمه. مشغولة بتكميم الأفواه وقمع حرية الصحافة لانها وبكل بساطة تنتقدهم وتنتقد أدائهم. أما أطفال الشوارع فهم “فئة هشة” لا تستحق الوقت الكامل الذي تُخصص للدعاوى القضائية ضد الصحفيين المزعجين كموطني نيوز.
الطريف المُرّ أن الكلاب الضالة تبدو أحياناً أكثر تنظيماً. لها “أراضي” و”مناطق نفوذ” واضحة. أما أطفال الشوارع فهم يعيشون في فوضى كاملة، بدون برامج إعادة تأهيل، بدون مراكز استقبال فعلية، وبدون متابعة. فالجهات المعنية تتعامل معهم كظاهرة جوية “ستمر أو لن تمر، لا مشكلة”.
فموطني نيوز سبق أن كتب عن هذا الموضوع مرات عديدة. وكما يقول المثل : “لمن تعاود زابورك أداوود”. كل مقال ينتهي في أرشيف “المواضيع الحساسة” وبدل حله يتركونه جانبا ويبحثون عن هفوات وسقطات صاحب المقال للانتقام منه، بينما يستمر الأطفال في النوم على الرصيف، والماعز في أكل ما تبقى من المساحات الخضراء في هذه المدينة، والكلاب في التكاثر بحرية تامة.
إذا كانت الجهات المعنية في مدينة “السيبة” بنسليمان تبدع في شيء، فهو صناعة “الأعداء الداخليين” من صحفيين وناشطين. أما حل مشكلة حقيقية مثل أطفال ينامون في الشارع ويتعاطون المخدرات، فهذا يتطلب جهداً ومسؤولية وهذا بالضبط ما ينقصها.
ربما يحتاج الأمر إلى حملة كبيرة، “أنقذوا أطفال بنسليمان قبل أن يتحولوا إلى جيل كامل من البالغين الذين سيكرهون مدينتهم”. لكن لا داعي للتفاؤل. فالأرجح أن الرد الرسمي سيكون شكاية كيدية جديدة ضد هذا المقال نفسه تحت شعار : “المفهوم الجديد للقمع”. لأنهم في الحقيقة غرباء عن هذه المدينة وبالتالي لا تهمهم لانهم سيغادرونها اجلا أم عاجلا.
في بنسليمان، حتى أطفال الشوارع يعرفون أن الشارع أرحم. وهذه هي أكبر فضيحة.
فالصورة المرفقة ليست مجرد صورة. هي وثيقة اتهام.
(ملاحظة : الكلب في الصورة يبدو أكثر راحة من الأطفال القصر).