
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
في تحليلي للوضع الجيوسياسي الراهن، أرى أن الصورة قاتمة لمستقبل الشرق الأوسط، والتي تلقي بظلالها على المشهد الإيراني. إن ما أطرحه اليوم، والذي أعتبره قراءة معمقة، ليس مجرد تنبؤات عابرة، بل هو تحليل لأبعاد صراع وجودي يتجاوز في خطورته أي مواجهة سابقة، ويهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة برمتها بطرق لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث.
إن الحديث عن الحرب الحالية ضد إيران ليس مجرد تهديد عسكري تقليدي، بل هو جزء من استراتيجية أوسع وأعمق تهدف إلى تفكيك بنية الدولة الإيرانية وتغيير هويتها الجيوسياسية بشكل جذري. وبالتالي أرى أن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية بحسب تحليلي للأحداث التي تابعتها واتابعها عبر التسريبات و وسائل الاعلام العالمية، وما يرافقها من تحركات ديبلوماسية لا تقتصر على إسقاط النظام الحاكم في طهران فحسب، بل تتعدى ذلك بكثير لتشمل إزالة إيران كقوة إقليمية فاعلة، وربما حتى تغيير ديموغرافي أو جغرافي في المنطقة. هذا الطرح يتقاطع مع مخاوف عديدة لدي حول مخططات إقليمية تهدف إلى إضعاف الدول المركزية وخلق كيانات جديدة تخدم مصالح قوى خارجية، وهو ما يفسر الإشارة إلى مخطط التهجير الذي تقف مصر عائقاً أمامه، والذي قد يشير إلى محاولات إسرائيلية لتغيير التركيبة السكانية في الأراضي الفلسطينية أو مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
تعتبر إيران، في هذا السياق، حجر الزاوية الذي يعرقل تنفيذ هذه المخططات. فموقعها الجغرافي، وقوتها العسكرية، ونفوذها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء، يجعلها سداً منيعاً أمام أي محاولة لإعادة هندسة المنطقة وفقاً لأجندات لا تخدم مصالح شعوبها. إن الإشارة إلى أن إيران تقف عائقاً أمام المخطط الإسرائيلي ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي اعتراف ضمني بالدور المحوري الذي تلعبه طهران في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، ومنع الهيمنة الكاملة لقوى معينة.
وعليه فإن تداعيات هذه المواجهة العسكرية الواسعة النطاق مع إيران ستكون كارثية، ليس فقط على المنطقة، بل على العالم بأسره. وأنا أحذر، مستنداً إلى ما استنتجته من تحركات وتحالفات وتصريحات من هنا وهناك، من أن الحرب القائمة الأن ستكون بلا مثيل في التاريخ، وهذا ليس مبالغة. إن تدمير إيران أو إضعافها بشكل كبير سيخلق فراغاً هائلاً في السلطة، وسيؤدي إلى فوضى عارمة، وصراعات داخلية وإقليمية لا يمكن التنبؤ بنتائجها. كما أن ذلك سيفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع، وتحويل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة، مما سيزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.
إن الحديث عن “شرق أوسط جديد” ليس من النوع الذي نعرفه، وهو ما أراه تحذيراً، من مستقبل مظلم قد ينتظر المنطقة. هذا الشرق الأوسط الجديد قد يكون شرقاً ممزقاً، ضعيفاً، وخاضعاً بالكامل للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، حيث تفقد الدول سيادتها، وتتلاشى هوياتها الوطنية، وتصبح شعوبها مجرد أدوات في أيدي القوى الكبرى. إن هذا السيناريو الكابوسي هو ما تسعى إيران وحلفاؤها إلى منعه، وهو ما يفسر صمودها وتحديها المستمر للضغوط الدولية.
إن الدور الذي تلعبه دول مثل الإمارات وقطر في هذا المشهد الجيوسياسي المعقد يستدعي التوقف والتأمل. ففي حين أن هذه الدول قد تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، إلا أن أي تحالفات أو ترتيبات إقليمية لا تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف، ولا تهدف إلى تحقيق الاستقرار الحقيقي، وبالتالي ستكون محكومة بالفشل. لأن الانخراط في مخططات تهدف إلى إضعاف دول الجوار، أو تغيير أنظمتها بالقوة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار، وسيعود بالضرر على الجميع.
وحتى لا أتهم بالسوداوية، يمكنني القول إن السعي لإسقاط النظام الإيراني ليس مجرد هدف سياسي عابر، بل هو جزء من رؤية جيوسياسية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل جذري وميلاد مشروع إسرائيل الكبرى. إن هذه الرؤية، تحمل في طياتها بذور كارثة إقليمية ودولية، وتهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة صراع لا نهاية له. لأن فهم هذه الحقيقة، والتعامل معها بحكمة وبصيرة، هو السبيل الوحيد لتجنب مستقبل مظلم، وبناء شرق أوسط ينعم بالسلام والاستقرار الحقيقيين. إن إيران، بقوتها وصمودها، تمثل حجر العثرة أمام هذه المخططات، ولهذا السبب تحديداً، هي مستهدفة بهذا الشكل غير المسبوق. إن مصير المنطقة يتوقف على كيفية التعامل مع هذا التحدي الوجودي، فإما أن نرى شرق أوسط جديداً مبنياً على التعاون والاحترام المتبادل، أو شرق أوسط غارقاً في الفوضى والصراعات التي لا تبقي ولا تذر. وليكن في علم الجميع أنه اذا سقط النظام الايراني فالدور سيأتي على مصر بإعتبارها أكبر مصدر خوف وتهديد لإسرائيل.