
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في أعقاب الانتخابات التشريعية المغربية لعام 2021، التي جرت في 8 سبتمبر، شهدنا تشكيل حكومة جديدة بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI)، مدعومة بحزب الأصالة والمعاصرة (PAM) وحزب الاستقلال (PI). هذه الأحزاب الثلاثة، التي شكلت التحالف الحاكم، تروج لنفسها كممثلة لإرادة الشعب المغربي، لكن الأرقام الرسمية تكشف وهماً كبيراً يعكس أزمة تمثيل ديمقراطي عميقة تهدد شرعية النظام السياسي.
فعدد الناخبين المسجلين بلغ 17,983,490 شخصاً، بينما بلغت نسبة المشاركة 50.18% فقط، مما يعني أن حوالي 9 ملايين شخص شاركوا فعلياً، وكانت الأصوات الصحيحة حوالي 7.57 مليون صوت بناءً على بيانات وزارة الداخلية.
حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI) بقيادة عزيز أخنوش حصل على 2,088,548 صوتاً في القوائم الوطنية (27.58% من الأصوات الصحيحة) و2,099,036 صوتاً في المحلية (27.69%)، بمجموع تقريبي يقارب 4.18 مليون صوت، لكنه يعكس دعماً محدوداً لا يتجاوز 11-12% من إجمالي السكان البالغ عددهم 37 مليون نسمة في 2021.
حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) سجل 1,385,230 صوتاً (18.30%) في الوطنية و1,400,122 صوتاً (18.47%) في المحلية، بمجموع حوالي 2.78 مليون صوت، أي أقل من 8% من الشعب.
أما حزب الاستقلال (PI)، فقد حصل على 1,267,866 صوتاً (16.74%) في الوطنية و1,278,420 صوتاً (16.87%) في المحلية، بمجموع يقارب 2.55 مليون صوت، بنسبة لا تتعدى 7%.
وبالتالي فإن مجموع أصوات هذه الأحزاب مجتمعة يصل إلى حوالي 4.94 مليون صوت في القوائم الوطنية (62.62% من الأصوات الصحيحة)، لكن هذا الرقم يتوارى خلف حقيقة مذهلة وهي أن أكثر من 86% من المغاربة إما لم يصوتوا لها، أو لم يشاركوا في الانتخابات أصلاً، أو ألغوا أصواتهم، مع أكثر من 8.98 مليون ناخب مسجل امتنعوا عن التصويت وحوالي 1.5 مليون صوت باطل.
فكما هو معلوم، هذه الأحزاب سيطرت على 270 مقعداً برلمانياً (حوالي 68% من المجلس)، لكنها لا تمثل سوى أقلية نشطة انتخابياً، مستفيدة من نظام انتخابي يعتمد على الاقتراع اللائحي والحصص الجهوية، مما يسمح لها بجني مكاسب كبيرة من نسبة مشاركة منخفضة، فيما يعاني 80% من الشعب من البطالة والفقر والفوارق الاجتماعية دون تمثيل حقيقي.
فهذه الأرقام ليست إحصاءات مجردة؛ إنها دليل على فضيحة ديمقراطية تجعل هذه الأحزاب تمثل مصالح نخبة اقتصادية مرتبطة برجال المال والأعمال الكبرى، لا إرادة الشعب المغربي بأكمله.
وفيما يخص حصيلة هذه الحكومة منذ 2021 إلى يومنا هذا في 2026، فهي مزيج من الادعاءات الإيجابية والفشل الواضح الذي يعكس عدم كفاءة في التعامل مع التحديات اليومية للمواطنين. فمن الجانب المدعى به، يروج عزيز أخنوش لبيان “إيجابي وملموس”، مشيراً إلى نمو اقتصادي بلغ 4.6% في 2025 ومتوسط 4.4% منذ 2021، مع تقليل العجز من 7.1% إلى 3.5%، وزيادة الاستثمارات العامة إلى 380 مليار درهم، والاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 45.4 مليار درهم حتى أكتوبر 2025 .
كما يبرز تقدماً في الدولة الاجتماعية، مثل تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للدعم الاجتماعي (الثاني أعلى أفريقيا)، وزيادة ميزانية الصحة بنسبة 115% إلى 42.4 مليار درهم لتمويل 1400 مركز صحي، و65% زيادة في ميزانية التعليم إلى أكثر من 97 مليار درهم لإصلاح المدارس وتحسين أوضاع المعلمين، بالإضافة إلى تقليل التضخم من 6.6% في 2022 إلى 0.8% بنهاية 2025 .
ومع ذلك، يواجه هذا البيان انتقادات حادة تكشف عن فشل في تحقيق الوعود الأساسية، حيث بلغ النمو الاقتصادي متوسط 2.8% فقط بين 2022 و 2024، أقل بكثير من الهدف الموعود 4%، مع بطالة تصل إلى 13.3% رسمياً (21.3% حسب تعداد السكان)، وانخفاض مشاركة القوى العاملة خاصة لدى النساء إلى 16.8%، بالإضافة إلى ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة لأربع سنوات متتالية منذ 2021، مما أثر على السلع الغذائية الأساسية والخدمات، ناهيك عن فشل حكومته في المشروع الملكي الخاص بالتغطية الصحية والتي تؤكد تقارير المجلس الأعلى للحسابات أن حوالي 11 مليون مغربي لم يشملهم هذا المشروع.
كما أن إدارة الأزمات مثل الجفاف والزلزال لم تكن كافية، مع فقدان 372 ألف وظيفة بسبب تراجع النشاط الزراعي، وتأخر في برامج الدعم الاجتماعي والمساعدات السكنية، مما يعكس عدم تحقيق معظم الـ40 التزاماً حكومياً بشكل ملموس رغم الادعاءات.
تبقى هذه الحصيلة المخيبة للآمال، مع تنحي أخنوش عن قيادة حزبه في يناير 2026، مما يعني عدم ترشحه لولاية ثانية كرئيس للحكومة، وهذا في حد ذاته يشير إلى اعتراف داخلي بالفشل، خاصة مع اتهامات بتضارب المصالح في صفقات مثل مشروع تحلية مياه البحر في الدار البيضاء الذي فازت به شركات مرتبطة بشركته .
وفي ظل هذا، يطرح السؤال : هل تستحق هذه الحكومة والأحزاب المكونة لها ثقة الشعب المغربي مرة أخرى؟ الإجابة واضحة : لا، فالثقة في الحكومة انخفضت بشكل كبير، مع مشاركة سياسية ضعيفة وفقدان الثقة في المؤسسات كما يظهر في تقارير مثل “Global State”، ودعوات من حركات مثل “Generation Z” لإقالة الحكومة بسبب عدم الاستجابة للمطالب الاجتماعية والإعتداء عليهم في الشوارع.
وبالتالي فإن الانتخابات التشريعية في 2026 ستكون لحظة حقيقة، حيث يتوقع تصويت عقابي واسع ضد هذه الأحزاب الثلاثة اللهم هذا كانت هناك معجزة ترفعهم بنفس الوثيرة التي اطاحت بحزب العدالة والتنمية، مع دعوات لإصلاح الانتخابات واستعادة الثقة من خلال حكومة غير حزبية أو تقنوقراطية، كما يناقش في الدوائر السياسية، لأن الشعب يستحق حكومة تعكس إرادته الحقيقية لا وهماً مبنياً على أرقام مخادعة وإنجازات ناقصة.