
بقلم ذ : محمد شابلي – موطني نيوز
هل يمكن المرور مر الكرام على حدث استوزار النائب البرلماني رشيد الحموني وتحميله مسؤولية وزارية، واعتبار هذا الحدث أمرا عاديا على غرار ما يتم مع العديد من الوزراء او المستوزرين الجدد دون التوقف بل والوقوف على ما يختزنه من دلالات وامتدادات في التاريخ ودروس للحاضر وعِبَر للمستقبل؟
أسباب نزول وإثارة هذا التساؤل يرجع لعوامل عديدة تعود أولا للمنطقة الذي أنبتته، وثانيا للأسرة التي شب فيها، وثالثا للحزب السياسي الذي يمثله..
فمنطقة ميسور هي جزء من التراب الوطني القريب من الحدود الشرقية للمغرب، وهي عبارة عن مجال فقير في مكوناته الطبيعية فلاحيا، والتي يعتبر فيها مجرى ملوية بفروعه غير المنتظمة شريان الحياة الاقتصادية لسكانه، عاشت التهميش منذ الاستقلال وحتى عام 1975 عندما تم تأسيس إقليم بولمان- ميسور، واستمر التهميش بعد ذلك مع اعتبارها احتياطا انتخابيا للأحزاب المسايرة للدولة المغربية والأحزاب الإدارية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وما تلاهما.
لقد أحدث بناء مؤسسات تعليمية في الثانوي التأهيلي بالإقليم تحولا كبيرا في المناخ الثقافي والسياسي والمدني، حيث استقبلت ثانوية المسيرة الخضراء الإعدادية في الموسم الدراسي 1979-1980 وثانوية ابن سينا التأهيلية بمركز ميسور في الموسم الدراسي الموالي كتائب من أساتذة التعليم الثانوي (التأهيلي حاليا) الذين تخرجوا من الجامعات المغربية ومن الشعب الإنسانية والعلمية والمحملين بقضايا الوطن والمواطنين، وعضدوا زملاءهم في الإعدادي والابتدائي، فانطلقت مسيرة التنوير والتوعية والتأطير في شرايين المحيط الميسوري والإقليم عموما، وانخرطت الأسرة التعليمية وشريحة من المواطنين في الأحزاب اليسارية وخاصة حزب الاتحاد الاشتراكي وحتى في حزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي، وشكل هذا الثلاثي حضورا قويا بقيادة حزب القوات الشعبية إلى الدرجة التي نضجت فيها فكرة ومبادرة إعداد وصياغة نداء من ميسور إلى القيادة الوطنية الثلاثية للدخول في تنسيق استراتيجي خدمة لقضايا الإنسان المغربي…
ويَسُر الآن المتأمل إلى الحركية التي عرفها مركز ميسور ومحيطه والإقليم عموما، والتي كان يُنظر إليها من طرف رجال السلطة أنها حركية فاقت الوتائر التي تشتغل بها الأحزاب التقدمية على المستوى الوطني والمدن الكبرى كما صرح لي بذلك في حينه أحد قواد ميسور المرحوم القائد العبداني، كما كان ينظر إليها بأنها حركية غير عادية لكون منطقة ميسور توجد بالقرب من الحدود الشرقية التي يجب أن يتم التعامل معها بنوع من الاحتياط والتحفظ… كما أن التغيير التدريجي والذي كان يبدو بطيئا للسحنة الاجتماعية والثقافية لهذه الرقعة من الوطن، كل ما سبق يشعر من عاش المرحلة وانخرط في ديناميتها باعتزاز كبير وبفخر أكبر للكيفية التي حدث بها ما حدث، فبعد أن سادت هذه المنطقة العلاقات القبلية والعشائرية، وغلب عليها تحكم السلطة في مفاصل حياة السكان وتسخيرهم لخدمة الفئات المتحكمة محليا وإقليما وخارجهما، وبالرغم من التضييق الكبير والحصار المقنع المفروض على كل صوت نشط مخالف او معارض، وبالرغم من استعمال الشطط في السلطة من طرف القائمين على تسيير الشؤون العامة للناس وترهيب المناضلين بمختلف الوسائل والأساليب بما في ذلك تلفيق التهم وإعداد الملفات والإحالة على القضاء، فقد تمكنت الكتائب الشابة من التغلغل وسط الفئات الشعبية وإيصال خطاب آخر ومغاير لما اعتاد عليه الناس، وتجلى ذلك للعيان في الكثير من المناسبات سواء الانتخابية الجماعية والبرلمانية عندما كانت السلطة تلجأ لتغيير النتائج إرضاء لمرشحيها المدللين، او في بعض المحطات التنظيمية التي فرضتها بعض الأحداث في مواجهة شطط بعض المسؤولين..
العامل الثاني لأسباب نزول التساؤل السابق يعود للأسرة التي ترعرع فيها السيد رشيد الحموني، فهي أسرة عادية وبسيطة ومعروفة وسط الميسوريين والميسوريات، تلقى تعليمه وسط أقرانه بالمؤسسات التعليمية العمومية، وشب في وسط تقدمي بعد مصاهرة أسرته لأحد اعمدة اليسار في ميسور الأخ سيدي الصديق كاسم الكاتب الإقليمي لحزب القوات الشعبية والنائب البرلماني للإقليم لدورات عديدة، واغترف من رصيد هذا الحزب إلى أن ألقى برحاه في رحاب حزب التقدم والاشتراكية، وبذلك فالوزير الحموني تختلف طريقة استوزاره عما اعتادت عليه الدولة المغربية في اعتبار المحتد والأسرة والنفوذ المالي والاجتماعي أمرا ضروريا لتحمل مثل هذه المسؤوليات..
العامل الثالث للتساؤل يعود إلى أن الوزير الحموني لم يعين بصفته منتميا لحزب من باقي الأحزاب الأخرى المعلومة، بل بصفته منتميا إلى مكون يساري، كان في العهد القريب جدا من سابع المستحيلات أن يتخيل امرؤ حدوث هذا الأمر. والكل يتذكر ما عاناه وتحمله الأستاذ مولاي علي الإدريسي باعتباره مؤسسا وقائدا لحزب التقدم والاشتراكية في ميسور والإقليم منذ ثمانينيات القرن الماضي.
فهنيئا للسيد الوزير على هذه الحظوة، وهذه الثقة، وحمل هذه المسؤولية، وهنيئا لميسور وللإقليم عامة على تمثيله بهذه الحكومة التي ينتظر منها الشيء الكثير خاصة في الواجهات الاجتماعية والحقوقية والإنسانية، وكل التوفيق في مهامه التي يجب أن تنعكس بالإيجاب على منطقة ميسور والإقليم لاستدراك ما لم يتم إنجازه من قبل، ولإخراج هذه المنطقة من صورتها الحالية والتي لا تختلف كثيرا عن صورتها في الثمانينيات والتسعينيات اللهم إذا استثنينا التوسع في استهلاك الإسمنت وبعض المشاريع المعدودة على رؤوس أصابع اليد أو اليدين. كما نتمنى له التوفيق لإثبات أن “الهامش” قادر على إنتاج رجالات وطاقات وموارد بشرية بمستطاعها الإسهام في تنمية الوطن.
تحياتي سي محمد ،الاستاذ الجليل