
بقلم ذ. الهادي اليمني – موطني ميوز
منذ استرجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني، لم تكن قضية الصحراء المغربية شأنا يهم المؤسسة الملكية وحدها، بل كانت قضية وطنية حاضرة في وجدان الحركة الوطنية ومختلف مكونات المشهد السياسي المغربي. غير أن مسار تدبير هذا الملف كشف، تدريجيا، عن نزوع المؤسسة الملكية إلى احتكار القرار الاستراتيجي بشأنه، مقابل تراجع دور الأحزاب السياسية، بما فيها أحزاب المعارضة.
ولعل استحضار مواقف بعض الزعماء السياسيين يكشف حجم هذا التباين. فقد كان علال الفاسي من المدافعين عن استكمال الوحدة الترابية، بينما طرح عبد الرحيم بوعبيد، باسم الاتحاد الاشتراكي، منذ سنة 1976، تصورا للحكم الذاتي في إطار الوحدة الترابية. ولم يكن اعتراض بوعبيد على المسيرة الخضراء أو على بعض اختيارات الدولة تعبيرا عن تخلي عن المطالبة المغربية، بقدر ما كان اعتراضا على أسلوب تدبير قضية بهذا الحجم، وعلى تغييب النقاش المؤسساتي والسياسي بشأنها.
واختدم هذا التوتر بشكل أوضح سنة 1981، حين عارض بوعبيد وقيادات اتحادية قبول الحسن الثاني مبدأ الاستفتاء خلال قمة نيروبي، معتبرين أن قرارا استراتيجيا بهذا الحجم لا ينبغي أن يُتخذ دون نقاش أو استشارة القوى السياسية والرأي العام الوطني. وكان الثمن اعتقال عدد من القيادات الاتحادية، في محطة كشفت حدود التعددية السياسية عندما يتعلق الأمر بالقرارات الكبرى للدولة.
ولم يكن الأمر مقتصراً على الاتحاد الاشتراكي؛ فقد عبّر مناضلون يساريون، من بينهم محمد بنسعيد آيت يدر والفقيه البصري، عن تصورات تربط تحرير الصحراء بالنضال الديمقراطي والتحرر الوطني وبناء مغرب ديمقراطي متضامن.
المفارقة أن قضية الصحراء، التي شكلت أحد أبرز عناصر الإجماع الوطني، تحولت مع مرور الزمن إلى مجال ضيق للمبادرة والقرار، حيث ظلت الأحزاب السياسية في كثير من الأحيان مطالبة بمساندة الاختيارات الرسمية أكثر من كونها شريكا فعليا في صياغتها ومناقشتها.
واليوم، ومع تطور الملف دوليا ، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الحزبية والبرلمانية، وإشراك مختلف مكونات المجتمع السياسي والمدني في النقاش حول مستقبل القضية وسبل الدفاع عنها.
فالقضايا الوطنية الكبرى لا ينبغي أن تكون موضوع إجماع صامت، بل موضوع نقاش وطني مسؤول. كما أن قوة الموقف الدبلوماسي لا تقاس فقط بوحدة الخطاب الرسمي، وإنما أيضاً بمدى استناده إلى ديمقراطية داخلية حقيقية، وإلى مؤسسات سياسية قوية، وإلى اقتناع شعبي نابع من المشاركة لا من مجرد الاصطفاف.