عاجل : حين تتحول غابة 33 بالمنصورية إلى حي عشوائي بمرأى من حراسها

أين أختفى حراس غابة 33 بالمنصورية؟
أين أختفى حراس غابة 33 بالمنصورية؟

المصطفى الجوي – موطني نيوز

ما وقع في غابة 33 التابعة لجماعة المنصورية بإقليم بنسليمان لم يكن مفاجئا لأحد. كان ملفا مؤجلا تراكمت فيه مساحيق التجميل طبقة فوق طبقة، إلى أن جاءت الصور التي عُرضت على وسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين فأزالتها كلها.

وحتى لا نظلم أحدا، فالمسؤولية في مثل هذه الملفات تتوزع على أكثر من جهة. غير أن الإنصاف لا يعني التسوية بين الجميع، فهناك مؤسسة يحدد القانون اختصاصها ويصرف لها المال العام للقيام بهذه المهمة بالذات، وهي المياه والغابات.

ما كُشف عنه يتجاوز الأسلحة البيضاء التي عُثر عليها، على خطورتها. فقد ظهرت مساكن عشوائية متعددة، وفُرشت الأرض بأغطية وأفرشة ممتازة تحسبا لسوء الأحوال الجوية، وجُلبت آلات لسماع الموسيقى، ونُصبت محركات لتوليد الكهرباء تعمل بالبنزين ويُسمع هديرها من أماكن بعيدة. وهذا كله بالتوازي مع سيارات تدخل الغابة ليل نهار. هذا لا يُبنى في ليلة ولا في أسبوع. إنه نتاج أشهر، وربما سنوات، من التسلل البطيء والتطبيع مع الأمر الواقع. وكل من عاين الصور يسأل : كيف يُقام كل هذا في غابة دون أن يراه أحد ممن يُفترض أنهم يحرسونها؟

قد يسارع البعض إلى إلقاء العبء على الدرك الملكي، وهذا ظلم بيّن. فمركز المنصورية يسهر على أمن نحو ثلاثين ألف نسمة بعدد من العناصر لا يتعدى عشرين، ومطلوب منهم في الوقت نفسه مراقبة الطرقات والدواوير ومعالجة الشكايات وتأمين الشواطئ، والقائمة طويلة. وهو مركز يشكو من نقص في التجهيزات والآليات والعناصر المدربة، ومطالب مع ذلك بتغطية آلاف الهكتارات. فمن يحمّل هذا المركز وحده مسؤولية غابة بأكملها كمن يطلب من رجل أن يحرس مدينة بعين واحدة. الدرك جهاز مساعد وعند الحاجة، أما الحراسة اليومية للغابة فهي في صلب اختصاص إدارة المياه والغابات.

وهنا يصبح السؤال مباشرا ولا مفر منه : أين حراس الغابة؟ وأين تقنيو المياه والغابات؟ وما دور المركز الغابوي الذي تنفق عليه الدولة من المال العام؟ وأين اختفت دورياتهم وفرسانهم فهم جهاز شبه عسكري وفيه الصفة الضبطية ويتحوز على أسلحة وظيفية؟ فالغابة، بحسب مصادرنا الخاصة، تعيش عالما قائما بذاته وطقوسا ليلية غير مسبوقة. باتت لها إنارة خاصة، وتعلو فيها أصوات السكارى والمعربدين والعاهرات، وأصبحت الليالي فيها أشبه بملهى مفتوح تحت الأشجار، بل أصبح لتجار المخدرات أماكن بالخريطة تحت إسم “Beznaz Foret 33” ما عليك سوى الدخول لخرائط جوجل واكتب الأسم ويتصل الى وجهتك بكل سهولة. فهل يُعقل أن كل هذا جرى دون أن يصل صوته ولا ضوءه إلى من يتقاضون أجورهم لحمايتها رغم وجود مركز قار؟

إن حارس الغابة موظف يتقاضى أجره من الدولة مقابل مهمة محددة، هي المراقبة والحماية والتبليغ. وأقل ما يُنتظر منه، إن عجز عن المنع، أن يبلّغ عن الكوارث التي تحدث ليل نهار. أما أن تُشيَّد مساكن عشوائية تُرى بالعين المجردة، وتُركَّب محركات كهربائية صاخبة، وتدخل سيارات بلا حسيب، فذلك لا يفسَّر إلا بأحد أمرين : تقصير جسيم، أو تواطؤ بالصمت. ولا ثالث لهما إلا أن يكون المركز الغابوي الموجود هناك خاليا، وغابة 33، على شساعتها، بلا حراس أصلا. وإذا صح هذا الاحتمال الأخير، فالفضيحة أكبر وأعمق.

إن الأمر لا يتعلق بشجر وتراب فحسب. فالغابة ملك عمومي ورئة بيئية وثروة وطنية يُفترض أن تُسلَّم للأجيال المقبلة سليمة. وحين تُترك لتتحول إلى فضاء خارج القانون، فإن الخسارة لا تكون بيئية وحدها، بل أمنية واجتماعية أيضا، إذ تصبح الغابات المهملة ملاذا لكل منفلت من الرقابة.

وعليه، فإن المطلوب اليوم من المياه والغابات أكثر من بلاغ تبريري أو حملة موسمية لتهدئة الرأي العام. المطلوب فتح تحقيق إداري شفاف يحدد من كان مكلفا بالمراقبة، وكم دورية خرجت فعلا، وكم تقريرا رُفع ومتى، وترتيب الجزاءات في حق كل من ثبت تقصيره، مع إعادة النظر في عدد الحراس وتجهيزاتهم وآليات مراقبة عملهم. فالقانون الذي يُطبق على المواطن البسيط حين يقطع شجرة ينبغي أن يُطبق أيضا على من ترك الغابة تُباح.

المسؤولية، نعم، مشتركة ولا يمكن أن نستثني أحدا، من سلطات محلية ومنتخبين وأجهزة أمنية ومجتمع مدني وإعلام. لكن في سلم هذه المسؤوليات، تبقى المياه والغابات وحراسها في الصف الأول، لأن الغابة أمانتها، وحراستها مهمتها، وما جرى في غابة 33 جرى في عهدتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!