رسالة مفتوحة إلى ملك إسبانيا

مايسة سلامة الناجي
مايسة سلامة الناجي

بقلم مايسة سلامة الناجي – موطني نيوز

ادخل إلى سبتة ومليلية بحماية جيشك، وأقم فيهما وسط أهازيج شعبك، واصنع بيديك مفاتيح المدينتين وسلمها لنفسك ـ إنك تاريخيا وجغرافيا على أرض المغرب.

كل تلك البروتوكولات العسكرية، والزيارات الميدانية، والجولات بين الهتافات المفتعلة، والأعلام الإسبانية المرفوعة، والعناوين الصحفية، لن تنفي أنك يا ملك إسبانيا، لكي تدخل جغرافيا المدينتين السليبتين سبتة ومليلية، قطعت البحر الأبيض المتوسط من بلدك بقارتك الأوروبية إلى شمال إفريقيا؛ قارة إفريقيا التي لا ناقة لعرقك وجيناتك ولونك وسلالتك وهويتك وثقافتك ولغتك فيها ولا جمل.
ولم تدخلها تاريخيا إلا بالغزو، عبر الحملات الإمبريالية المسماة بالتوسع الإيبيري في شمال أفريقيا منذ القرن 15 ميلادي، ثم تجدّدَ إبقاء الاستعمار تحت معاهدات منها اتفاقية تطوان 1859 بموازين مختلة تخضع لقانون الغاب حيث القوي الاستعماري يغلب الضعيف. وبقيت المدينتين السليبتين تحت الحكم الإسباني الذي رفض التخلي عن عقليته الاستعمارية والتفاوض حولهما مع مغرب اليوم ندا لند ـ في وقت يدعي نفس النظام دفاعه عن فلسطين المستضعفة من الاستعمار الإسرائيلي.

ثم لازلت يا ملك إسبانيا تستغل أزمات المغرب وتتعامل بنفس مبدأ قانون الغاب، ونحن نتجرع تبعات أزمة البطالة المتفشية بين الشباب بسبب سوء تدبير حكومات متعاقبة، والتي أدت إلى كارثة الهجرة الجماعية بوم 30 يوليوز 2026، حيث حاول 60 ألف شاب المرور من المدينتين السليبتين الخاضعتين لتأشيرة “شينغن” إلى أوروبا؛ ما أدى إلى وفاة قرابة 100 مغربي.
وعوض أن تقوم أنت ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بإعادة الجثث إلى السلطات المغربية لتحديد هوياتها ودفنهم بما يليق بدينهم وثقافتهم واحترام حرماتهم وبحضور أسرهم، أصريتم على دفنهم كمجهولين في مقابر مرقمة، في نقض تام لمعاهدات التعاون بين البلدين، وإخلال مريع بحقوق الإنسان وكرامته. بل زدت رش الملح على الجرح بزيارتك المستفزة لرفاتهم المرقم أمام أنظار عائلاتهم المغربية المكلومة، في تكريس ما بعده تكريس لعقلية السادية الاستعمارية.

إن ادعاء الديمقراطية وحقوق الإنسان ومناصرة الشعوب ضد الاستعمار يستدعي يا ملك إسبانيا البدء من النفس بدل إعطاء الدروس للغير. ويتطلب منكم طوي ماضيكم الإمبريالي التوسعي الاستعماري حقا وحقيقة، بدل كل هذه الاستفزازات المتتالية لشعب بأسره، وموتاه، وشبابه الذين بعد أن هاجروا بحثا عن الشغل، وجدوا أنفسهم معتقلين يهانون على أيدي شرطتك، وسط الجوع والعطش والعراء والتيه، في مخيمات يتم كل يوم هدمها على رؤوسهم، وشابات تعرضن للاغتصاب والحمل. وعوض إعادتهم إلى السلطات المغربية، تمعنون في تعذيبهم وأنت تحتفل وتصول وتجول وتصنع لنفسك مجدا استعماريا في القرن ال21، بالصور والعناوين الإخبارية التي لا يمكن أن تمحو حقيقتكم.

فإن كان النظام المغربي وخارجيته وديبلوماسيته وحتى إعلامه قد لزم الصمت، لأنه يضخ الآن كل جهده ويستنفذ كل وقته السياسي ليترافع أمام الأمم المتحدة لإنهاء النزاع الذي افتعلت أنت ونظامك الاستعماري الإسباني حول مغربية الصحراء – الصحراء المغربية التي لم تخرجوا منها بالمسيرة الخضراء إلا أن تركتم وراءكم سياسة فرق تسد، ومغرب يحارب لقرابة القرن لإخماد النزعات الانفصالية وتوحيد الصف الوطني – فنحن كشعب، كمعلقين سياسيين مستقلين، لم نصمت في الأيام الماضية إلى من الصدمة والألم، وإن تكلمت هنا فلأترك هذه الرسالة للتاريخ.

لأقول لك: اقطع يا ملك إسبانيا البحر الأبيض المتوسط واغزو شمال أفريقيا مرارا، وادخل إلى سبتة ومليلية السليبتين بحماية جيشك، وأقم فيهما نهارا وبياتا وسط أهازيج ورقص شعبك، واصنع بيديك مفاتيح المدينتين وسلمها لنفسك، وأعلنهما عاصمة إسبانيا إن شئت ـ إنك يا ملك إسبانيا اليوم، تاريخيا وجغرافيا، على أرض الشعب المغربي، تمشي فوق صخور أرض أسلافه وأجداده المور، وتتنفس هواء الأفارقة، وتشرب ماء الأمازيغ ـ ولن تغير عناوين صحفك تاريخ الأرض وجغرافيتها.. ولابد يوما أن يعود الحق لأصحابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!