
بوشتى المريني – موطني نيوز
في محاولة متجددة لشد العصب الوطني الإسباني المأزوم والتغطية على الإخفاقات السياسية والاجتماعية المتوالية في شبه الجزيرة الإيبيرية، قام العاهل الإسباني فيليبي السادس وزوجته ليتيثيا بزيارة إلى مدينة سبتة المحتلة يوم 13 أكتوبر 2026، قبل أقل من سبعة أسابيع من الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نوفمبر، حيث يُتوقع أن تكون قضية الهجرة إحدى القضايا الرئيسية في الحملة الانتخابية . وتأتي هذه الزيارة، وهي الأولى لعاهل إسباني منذ زيارة خوان كارلوس عام 2007، وسط توتر دبلوماسي إثر أزمة المهاجرين التي شهدتها المدينة في صيف 2026 .
تأتي هذه الزيارة الملكية في ظل أزمة سياسية حادة تعيشها إسبانيا. فقد أعلن رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز في 5 أكتوبر 2026 حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، وذلك بعد فشله في تمرير مراسيم حكومية تتعلق بأزمة الإسكان . وقد جاء هذا القرار بعد احتجاجات واسعة شهدتها مدن إسبانية على خلفية قضية المسنة ماريكارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاماً، التي طُردت من منزلها في مدريد بعد ارتفاع الإيجار بشكل جنوني، وتوفيت لاحقاً في المستشفى .
وتعاني الحكومة الإسبانية من سلسلة فضائح فساد طالت مقربين من سانشيز، بما في ذلك اتهامات لزوجته بالتلاعب والفساد، وسجن وزير النقل السابق بتهم فساد خلال جائحة كوفيد، وإدانة شقيق رئيس الوزراء بتهمة سوء السلوك الإداري . وفي هذا السياق، تحاول مدريد استخدام الزيارة الملكية لسبتة كأداة لشد العصب الوطني والتغطية على هذه الإخفاقات المتتالية.
رغم محاولات إسبانيا تكريس واقع الاحتلال عبر جولات بروتوكولية، تظل حقائق التاريخ والجغرافيا ثابتة لا تلغيها استعراضات الساسة. فمدينتا سبتة ومليلية تقعان في شمال إفريقيا، وتحيط بهما الأراضي المغربية من كل جانب، ويعيشان واقعاً استثنائياً يثبت كل يوم ارتباطهما الوثيق بالعمق الوطني المغربي.
وعلى الصعيد القانوني، أكدت إسبانيا في أغسطس 2026 رفضها “القاطع” لأي مطالب مغربية بشأن سبتة ومليلية، معتبرة أنهما “جزء من السيادة الإسبانية المعترف بها دولياً” . لكن هذا الموقف الإسباني يصطدم بمواقف دولية متزايدة، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تطورات غير مسبوقة تمثلت في أن لجنة المخصصات بمجلس النواب الأمريكي أدرجت بنداً في تقرير رسمي يشير إلى أن سبتة ومليلية “تداران من قبل إسبانيا” وتقعان في “أراضي المغرب”، ويدعم الحوار بين الرباط ومدريد حول “الوضع المستقبلي” للمدينتين . كما وصف السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة إسبانيا بأنها تحتفظ بـ”جيوب استعمارية في إفريقيا” .
بعيداً عن الأعلام المرفوعة واللافتات التي تُستغل لأغراض الاستهلاك الداخلي في إسبانيا، تعاني سبتة المحتلة من أزمات هيكلية خانقة. فالمدينة تُدار كجيب استعماري قديم تعتمد كلياً في رزقها ودورة حياتها الاقتصادية على الحركة القادمة من الأراضي المغربية. وقد بلغت ميزانية سبتة لعام 2026 نحو 423.9 مليون يورو، مع استثمارات حكومية تجاوزت 711 مليون يورو بين عامي 2023 و2026، ومع ذلك لا تزال معدلات البطالة تفوق المتوسط الإسباني، مما يجعل المدينة أكثر اعتماداً على الدعم الحكومي .
وقد كشفت أزمة الهجرة الأخيرة عن هشاشة الوضع في سبتة، حيث قدرت خسائر القطاعات السياحية والتجارية بين 50% و75%، مع إغلاق المتاجر وتعليق مهرجان سبتة السنوي . وتؤكد هذه المعطيات أن محاولات مدريد لفرض قطيعة أو تحويل المدينة إلى جزيرة معزولة اقتصادياً باءت بالفشل الذريع، لأن المنطق الاقتصادي والجغرافي يفرض نفسه فوق أي حسابات سياسية ضيقة.
في المقابل، يتعامل المغرب مع هذا الملف برباطة جأش ورؤية استراتيجية واثقة تقودها الدبلوماسية الملكية الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. وقد شدد جلالة الملك في خطابه أمام افتتاح الولاية البرلمانية في أكتوبر 2026 على أن سيادة بلاده لا يمكن أن تخضع “لأي ضغط أو تهديد، ولا لأي ابتزاز”، مؤكداً أن العلاقة بين إسبانيا والمغرب هي “خيار سيادي والتزام طوعي” .
وقد تفاعلت الصحافة الإسبانية بشكل واسع مع هذا الخطاب، حيث ربطت صحيفة “إل كونفيدينسيال” بين رفض الملك للضغوط القادمة من إسبانيا والزيارة المرتقبة للعاهلين الإسبانيين إلى سبتة ومليلية، معتبرة أن تأكيد الطابع السيادي للشراكة الثنائية يحمل رسالة واضحة بشأن طبيعة العلاقات التي يسعى المغرب إلى بنائها مع شركائه .
تُظهر المعطيات أن زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة تندرج في سياق انتخابي بحت، حيث تسعى الحكومة الاشتراكية بقيادة سانشيز إلى تحسين صورتها أمام الناخبين قبل الانتخابات المبكرة في 29 نوفمبر . وقد اختار الملكان الإسبانيان عدم حضور رئيس الحكومة في برنامج الزيارة، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي الداخلي الإسباني .
وقد تجمّعت حشود لوّحت بالأعلام الإسبانية في استقبال الملك في سبتة، في محاولة لتصوير الزيارة على أنها “احتضان شعبي عارم” . لكن هذا التصوير يصطدم بالواقع اليومي لسكان المدينة الذين يعانون من ارتفاع البطالة وضعف البنى التحتية والشعور الدائم بأنهم ورقة ضغط سياسية في صراعات مدريد الداخلية . فحتى قبل الزيارة، كانت غالبية المتاجر مغلقة، والخبز شحيح، والاحتفالات الشعبية معلقة، والخدمات الطبية تواجه ضغوطاً هائلة .
في المحصلة النهائية، تبقى زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة المحتلة مجرد محاولة يائسة لتكريس واقع احتلالي لا يستند إلى الشرعية الدولية، بل إلى موازين قوى استعمارية تجاوزها الزمن. فالحق التاريخي والوطني في سبتة ومليلية والجزر المحتلة ثابت لا يتغير، والمغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله ماضٍ في مساره الاستراتيجي الهادف إلى استعادة هذه الأجزاء العزيزة من التراب الوطني، عبر مسارات الدبلوماسية الرصينة وتكريس التفوق الاستراتيجي المغربي في المنطقة.