“طنجة الذكية” حين تتحول الوعود إلى ديكور سياسي

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

منذ 2017، والمغاربة يستمعون إلى نفس السيناريو: مدينة صناعية “ذكية” بضواحي طنجة ستقلب موازين التشغيل في الشمال، بأرقام ضخمة تُرصّ في المؤتمرات الصحفية ثم تتبخر بهدوء عندما يحين وقت المحاسبة.

في مارس 2017، وأمام الملك في قصر “مرشان” بطنجة، أُعلن عن مشروع “مدينة محمد السادس طنجة تيك”، بمشاركة كل من رئيس البنك المغربي للتجارة الخارجية عثمان بنجلون، ووزير الصناعة والتجارة مولاي حفيظ العلمي، ورئيس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة آنذاك إلياس العماري. الأرقام التي رُفعت يومها كانت مثيرة : استثمارات بعشرة مليارات دولار، مائتا مصنع، مائة ألف منصب شغل، وطموح لأن تصبح طنجة محطة جديدة على “طريق الحرير” الصيني.

الشريك الصناعي المُعلن كان مجموعة “هايتي” الصينية. غير أن وثائق التأسيس الرسمية لشركة تهيئة المشروع، المودعة لدى المحكمة التجارية بالدار البيضاء، أظهرت لاحقا أن المساهمَين الفعليين في الشركة لم يكونا سوى البنك المغربي للتجارة الخارجية وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، دون أي أثر رسمي لـ”هايتي” أو لجهة طنجة كطرف مساهم مباشر.

بحلول صيف 2018، كشفت مصادر صحفية من بينها موطني نيوز أن مجموعة “هايتي” الصينية انسحبت فعليا من المشروع. الشركة، بحسب تلك التقارير، لم تكن تملك خبرة سابقة في مشاريع بهذا الحجم، وهو ما دفع مساهمين صينيين إلى رفض المضي فيه بعدما وقّع ممثلها بالمغرب اتفاقات لم يوافق عليها المساهمون الأصليون في الصين.

والنتيجة : مشروع أُعلن عنه بمبلغ عشرة مليارات دولار، وجد نفسه بلا شريك صناعي قادر على توفير هذا الغلاف، بينما استمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “التفاؤل” و “الإيمان بإمكانية تحقق الحلم”، على لسان عثمان بنجلون في أبريل 2019، دون الإشارة بوضوح إلى حجم التعثر الذي وقع فعليا.

في موازاة ذلك، سعت الأطراف المغربية إلى تعويض الشريك الصيني المنسحب عبر اتصالات مع مجموعات صينية أخرى، وسط تقارير عن تفاوض مع شركات مثل “لير كوربورايشن” و “يازاكي” و “بي واي دي أوتو إندستري”. كما تغيّر الموقع المخصص للمشروع أكثر من مرة، بعد مشاكل تتعلق بالوعاء العقاري الأصلي في منطقة عين دالية بسبب سوء الأحوال الجوية وما عرفته المنطقة من فياضانات، قبل أن يستقر الاختيار على جماعتي العوامة وسبت الزينات جنوب طنجة.

رسميا، أصدرت الحكومة المرسوم رقم 2.19.345 بتاريخ 24 ماي 2019 بإحداث منطقة التصدير الحرة “طنجة تيك”، على مساحة أصغر بكثير من الهكتارات التي روِّج لها في الإعلان الأول عن “مدينة” بمساحة تفوق 2000 هكتار. ومنذ ذلك الحين، توالت مراسيم لاحقة (آخرها سنة 2025 و2026) لتوسيع المنطقة تدريجيا وتغيير تسميتها إلى “منطقة التسريع الصناعي”، في مسار أقرب إلى منطقة صناعية عادية للتصدير الحر منه إلى “المدينة الذكية” التي وُعد بها المغاربة قبل نحو عقد.
المفارقة الأكبر ليست في تعثر مشروع استثماري واحد، بل في تكرار النمط نفسه، إعلان بأرقام مبهرة أمام الكاميرات، ثم تعثر صامت لا يُحاسَب عليه أحد، ثم إعادة تدوير الخطاب في مشروع لاحق. وهذا ما يعيد طرح سؤال بنيوي أعمق : من يراقب هذه المشاريع، ولماذا لا تُفعَّل آليات المحاسبة حين تتحول الوعود الرسمية إلى فجوة بين الخطاب والواقع؟

للخروج من هذه الحلقة، تُطرح عادة مداخل إصلاحية معروفة في التجارب المقارنة وهي استقلالية فعلية لهيئات الرقابة، عبر فصل إداري وسياسي واضح بين هيئات مثل المجلس الأعلى للحسابات وبين السلطة التنفيذية التي تراقبها، مع تعيين قياداتها وفق معايير الكفاءة والنزاهة وحمايتها قانونيا من الإقالة التعسفية؛ وربط مباشر بالقضاء، عبر تمكين هيئات التفتيش من إحالة الملفات إلى القضاء مباشرة دون حاجة إلى “ضوء أخضر” سياسي أو إداري مسبق؛ وأخيرا شفافية دورية للمشاريع الكبرى، بنشر تقارير تتبع منتظمة (الآجال، الشركاء الفعليون، نسب الإنجاز) بدل الاكتفاء بمؤتمرات الإعلان الأولى.

في غياب هذه الآليات، يبقى المواطن في الشمال، وخاصة الشباب الباحث عن عمل، الطرف الذي يدفع ثمن الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الأرقام على الأرض. والنتيجة طوفان بشري من شياب وشباب وقاصرين نساءا ورجالا يغزو مدينتي سبتة و مليلية المحتلتين برا وبحرا تزامننا مع الاحتفالات بعيد العرش المجيد في ذكراه 27. فمن يتحمل المسؤولية؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!