
المصطفى الجوي – موطني نيوز
هناك في هذا الوطن، حيث يُتاجر بالأحداث ويُلوَّن الواقع بالأرقام، رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار الذي وجد في الموسم السنوي ضالّته، بل ضالّتيه، ضالّته وضالّة الجماعات. فالرجل يمشي في هذا الموسم على مهل، يفتخر بالزوار بملايينهم، يعدّد المحاسن واحداً واحداً، يسهر على المظاهر الخداعة ويسهر عليه المصوّرون، وكأن موسم الزوايا هو غاية الوجود ومبلغ الطموح، ونسِي – أو تناسى تناسياً يُشبه النسيان – أن التنمية المحلية هي الركيزة الأساسية، وأن الموسم ما هو في الحقيقة إلا واجهة تتدلى منها ستائر مزيّنة تخفي وراءها ما يخجل منه النظر.
إن جماعة تعدّد محاسن مهرجانها السنوي وتسهّر عليه الليالي، هي نفسها الجماعة التي تغفل عن أبسط شروط العيش الكريم لساكنتها. وكيف لا، وقد سبق وأن فضحنا الأعمدة الكهربائية التي غُرست وسط الطريق العام؟ تلك الأعمدة التي تقف شامخة في الطريق المعبد الذي تحوّل إلى حفر متناثرة، كأن الجماعة أرادت أن تجمع لسكانها متناقضين في آن واحد : طرقات تحفر الأقدام، وأعمدة تحفر الأرواح. ولقد قلنا إن ذلك غيض من فيض، واليوم نزيد على ذلك فيضاً بعد فيض.
ولنتحدث اليوم عن موضوع لا يحتمله القلم إلا مقهوراً : إن جماعة مولاي عبد الله أمغار، رغم مداخيلها الضخمة من الموسم، ورغم ملايين الزوار الذين يمرون بها ويمرّون عليها، لم تستطع أن تنظّف مقبرة واحدة ولا أن ترتّبها ترتيباً يليق بمقدّس لا يعرف الانتهاك. مقبرة واحدة! فهل يعقل هذا؟ مقبرة الجماعة الوحيدة تتحوّل إلى مكبّ للأزبال ومروج للأعشاب الجافة، بينما الأضواء والكروتونات تنعقد في الموسم على بعد أمتار، كأن الموتى في هذه الجماعة مواطنون من الدرجة الثانية، أو كأن حرمة الأموات لا تدخل في حسابات الرئيس ولا في حسبان الجماعة.
والسؤال الذي نطرحه على هذا الرئيس، باعتباره المسؤول الأول أمام الله قبل كل أحد عن حرمة الموتى، سؤال لا جواب له : كيف عجز عن توفير مقبرة تليق بحرمة الموتى؟ إن مقبرة الجماعة هي وجه الجماعة الحقيقي، أكثر من أي موسم وأكثر من أي احتفال، فمن لا يحترم موتاه لا يمكن أن يحترم أحياءه. والمقبرة اليوم كلها أزبال وأعشاب جافة، لم يكلف المسؤول نفسه عناء تنظيفها وجعلها في مستوى تلك الأمة التي قال عنها الكتاب الكريم : كنتم خير أمة أخرجت للناس. فإن كانت الأمة خيراً أُخرجت، فليس خيراً أن تُترك مقبرتها تتأبّط الأعشاب وتنبت الأزبال.
وهنا يحق لنا، بل يجب علينا، أن نتساءل : ألا تتوفر الجماعة على عمال عرضيين؟ وإن وُجدوا، فما هو دورهم؟ ألكي يرصّوا البسط ويجمعوا الأكياس في الموسم، وينسوا المقبرة عندما يغادر آخر زائر؟ أم أن العمالة العرضية في هذه الجماعة موسم موسمي، تنشط في الموسم وتخمد في سائر السنة؟ وهل استفادت الجماعة من برنامج “أوراش” الذي انبرى لإنعاش التشغيل المحلي؟ وإن كان الجواب بنعم، فهل كان من بين الورشات المقبرة التي هي أولى الورشات وأولاها؟ فلماذا أُغفلت هذه المقبرة بينما لم تُغفل الأضرحة ولا المهرجانات؟
وماذا عن السيد العامل والسيد الوالي؟ ما رأيهما في حالة هذه المقبرة؟ وما رأيهما في الأعمدة الكهربائية التي غُرست وسط طريق معبّد وإن كانت كلها حفر؟ أليست هذه أسئلة مشروعة يطرحها الصحافي والضمير؟ أليست الرقابة الإدارية عينها التي تفحص دفاتر الصفقات مطالبة بأن تفحص ذمم المسؤولين؟ فإن كان الموسم يُحصى بالملايين، فإن إهمال المقبرة يُحصى بالآثام، وكل عابر للجماعة يعرف أن الحساب الأول يوم لا ينفع فيه موسم ولا محاسن.
إننا لا نطعن في أحد، ولا ننسب إلى رئيس الجماعة ما لا نعلم، بل نطرح الأسئلة التي يفرضها الواقع : واقع مقبرة مهيّأة بالأعشاب والأزبال، وواقع طرقات منقورة بالأعمدة والحفر، وواقع موسم يُتباهى به فيما سواه يُتغاضى عنه. فإن كان الرئيس يفتخر بالموسم فليفخر، وما عليه حرج، لكنه مطالب قبل ذلك أن يفتخر بمقبرة نظيفة، وبطريق آمن، وبعيش كريم لساكنة دفعها الفقر إلى الانتظار، ودفعها الانتظار إلى اليأس. فالضوء الذي يُضاء في الموسم ليوم أو يومين، لا يكفي لأن تظل الجماعة بعده في ظلام مقبرتها وظلام طرقها وظلام وعدها.
إن التنمية المحلية ليست زخرفاً يُصوَّر ولا موسماً يُعدَّ، وإنما هي مقبرة تُحترم، وطريق يُصلح، وعامل عرضي يشتغل، وحاكم يراقب. فليتقدم المسؤولون بالجواب قبل أن يتقدم الزوار بالموسم، فإن السؤال اليوم واضح، والجواب عنه أضحى واجباً لا خياراً.