
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لم تكن أزمة فرنسا في جوهرها أزمة أحياء أو شرطة أو بطالة فحسب، بل لحظة انكشاف لسؤال ظلّ الأوروبيون يؤجلونه عقوداً : هل يكفي أن تنقل إنساناً من ضفة إلى أخرى، ومن نظام سياسي إلى آخر، كي يتحول تلقائياً إلى مواطن بالمعنى الحديث للكلمة؟ لقد بُنيت سياسات الهجرة في الغرب على افتراض مريح مفاده أن الديمقراطية بيئة تُنتج مواطنيها بمجرد العيش فيها، وأن المدرسة والسوق والقانون كفيلة بصهر الجميع في قالب واحد. لكن التجربة الميدانية تقول إن الإنسان لا يصل إلى المطار فارغاً، بل يحمل معه ذاكرة جماعية ولغة وتصورات عن السلطة والدين والعائلة والهوية، وهذه الحمولة لا تتبخر عند ختم جواز السفر، بل قد تشتد أحياناً كلما شعر صاحبها بالغربة أو الإقصاء.
ومن الصعب أن يُنكر المنصفون أن قطاعات من المهاجرين العرب والمسلمين، خصوصاً في الجيلين الثاني والثالث، ما تزال علاقتها بالدولة المدنية الحديثة ملتبسة. فالمسألة هنا ليست في الإيمان نفسه، فالمتدين المحترم للقانون جزء أصيل من أي مجتمع حر، وإنما في الفكرة التي تجعل المعتقد الشخصي مرجعية موازية للقانون العام، وتنظر إلى المواطنة المتساوية باعتبارها تنازلاً لا عقداً. وثمة من يقيم في فرنسا ويتمتع بحرياتها وخدماتها ومؤسساتها، لكنه يستحضر في وعيه صراعات قديمة وموروثات تاريخية فيرى المجتمع المضيف خصماً يجب مقاومته أو التحايل عليه، لا وطناً مشتركاً تُحترم قوانينه لأنها تحمي الجميع، بمن فيهم هو نفسه. وهذه الذهنية تحديداً هي التي تحول الخلاف السياسي العادي إلى صراع هوياتي، وتجعل كل حادثة أمنية قابلة للاشتعال.
غير أن الصدق التحليلي يقتضي أن نقول في الوقت نفسه إن هذا التشخيص لا يصح تعميمه. فالمهاجرون العرب والمسلمون ليسوا كتلة صماء ولا عقلاً واحداً؛ فيهم الطبيب والمعلم والمقاول والفنان والموظف الذي يدفع ضرائبه ويحترم جيرانه ويرى في فرنسا بلده بلا تحفظ، وفيهم من هرب أصلاً من الاستبداد الديني والسياسي ليحتمي بقيم الجمهورية. واختزال الملايين في صورة واحدة ظلم أخلاقي وخطأ معرفي معاً، وهو فوق ذلك هدية مجانية لليمين المتطرف الذي يقتات على التعميم. كما أن التاريخ الإسلامي، شأنه شأن تاريخ أوروبا نفسها، يضم صفحات من التعايش وأخرى من الصراع والعنف، وأوروبا التي تحاضر اليوم في التسامح خاضت حروب الأديان قروناً قبل أن تتعلم الفصل بين الكنيسة والدولة بثمن باهظ. لا يجوز إذن تحويل الماضي إلى قدر أبدي يحكم سلوك البشر، ولا يحق لأحد أن يحاكم إنساناً اليوم بما فعله أسلافه أو بما يُنسب إليهم.
وفي المقابل، لا تستطيع فرنسا أن تلقي بكل التبعة على المهاجرين وتبرئ نفسها. فمن الإنصاف أن تسأل بشجاعة عن حصيلة نموذجها : ضواحٍ معزولة جغرافياً واقتصادياً، ومدارس تتفاوت جودتها بحسب العنوان، وتمييز في التوظيف والسكن يعرفه كل من يحمل اسماً عربياً، وخطاب إعلامي وسياسي يوحي لأبناء البلد المولودين فيه بأنهم ضيوف دائمون. حين يشعر الإنسان بأن الجمهورية تطالبه بالولاء دون أن تمنحه المساواة، يصبح الانتماء البديل، دينياً كان أم حيّياً أم طائفياً، ملاذاً نفسياً جاهزاً. وهكذا تتغذى الهويات المنغلقة على بعضها : خطاب إقصائي في الأعلى يولّد انغلاقاً في الأسفل، وانغلاق في الأسفل يبرر مزيداً من الإقصاء في الأعلى. وهنا يتبين أن السؤال عن فشل الاندماج أو رفضه سؤال مبتور إن طُرح بصيغة الاختيار الحاد بين الاحتمالين؛ فالحقيقة أن الأمرين يحدثان معاً بنسب متفاوتة وفي أوساط مختلفة، وأن بعض السياسات أخفقت فعلاً، وأن بعض التيارات ترفض فعلاً قواعد العقد المدني، ولا تناقض بين القولين.
ومع ذلك فإن الاعتقاد بأن كل ثقافة ستنسجم تلقائياً مع قيم المجتمع الديمقراطي وهم سياسي لا يقل خطورة عن وهم الإخضاع بالقوة. فالقسر لا يصنع مواطنين بل يصنع متمردين أو منافقين، والتجارب التي حاولت فرض الاندماج بالقرارات والرموز كثيراً ما أنتجت عكس مقصودها. أما ترك الأمور لمنطق التراكم الطبيعي فينتهي إلى ما يخشاه الجميع : مجتمعات متوازية تعيش تحت سقف واحد، لكل منها تصور مختلف عن القانون والهوية والحرية، ولا يجمعها سوى الجغرافيا والخوف المتبادل. والمطلوب مسار ثالث أصعب وأبطأ : دولة تطبق قانونها على الجميع بلا استثناء ولا مساومة، وتفتح في الوقت نفسه أبواب الفرص بلا تمييز، وتتحدث بصراحة عن الخطوط الحمراء المشتركة، من مساواة المرأة بالرجل وحرية الضمير وحماية الأقليات وتحريم العنف السياسي، دون أن تحوّل هذه الخطوط إلى أداة لإذلال فئة بعينها.
وبالتالي فإن الديمقراطية لا تحتاج إلى تدجين البشر ولا إلى ذوبانهم في هوية واحدة صماء، بل تحتاج إلى مواطنين يقبلون ثلاث قواعد بسيطة في صياغتها، عسيرة في ممارستها : أن القانون واحد على الجميع، وأن الحرية متبادلة فلا أحد يطالب بها لنفسه ويحجبها عن غيره، وأن أحداً لا يملك حق فرض ماضيه على مستقبل الآخرين، سواء كان ماضياً دينياً أو استعمارياً أو قومياً. وعلى هذه القواعد يُمتحن الطرفان معاً : المهاجر الذي عليه أن يقرر هل جاء ليشارك في بناء وطن أم ليقيم في ضيافة يحتقرها، والدولة المضيفة التي عليها أن تقرر هل تريد مواطنين متساوين أم رعايا من درجات مختلفة. وما لم يُجب الطرفان عن هذا السؤال بصدق، فستتكرر الأزمة بأسماء جديدة وفي مدن جديدة، وسيبقى الخاسر الأكبر هو ذلك الفضاء المشترك الهش الذي لا تقوم من دونه جمهورية ولا يستقيم معه تعايش.