بعد بنكيران والعثماني وأخنوش..هل تكون المنصوري القطيعة أم النسخة الرابعة؟

السيد عبد الله رحيوي مدير موطني نيوز
السيد عبد الله رحيوي مدير موطني نيوز

عبد الله رحيوي – موطني نيوز

قراءة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة على رأس الحكومة، بأغلبية برلمانية من 210 مقاعد، ووزراء سياديين لا يتغيرون، وشعب حائر لم يعد يصدق أحدا.

كما هو معلوم، عين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، في سابقة تاريخية تجعل منها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، والتي توصلت، بعد التوجيهات والمشاورات، إلى تشكيلة من 32 وزيرا، تجمع بين الاستمرارية والتجديد، وبين المحاصصة الحزبية والحضور التكنوقراطي، وتفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز لائحة الأسماء إلى دلالات هندسة السلطة نفسها.

تستند الحكومة الجديدة إلى ائتلاف رباعي غير متجانس أيديولوجيا، يضم حزب الأصالة والمعاصرة (97 مقعدا)، وحزب الاستقلال (65 مقعدا)، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (26 مقعدا)، وحزب التقدم والاشتراكية (22 مقعدا)، بما مجموعه 210 مقاعد في مجلس النواب. تحالف يجمع ليبرالية البام، ومحافظة الاستقلال، ومرجعية يسارية تاريخية، في تركيبة تعكس منطق الأغلبية العددية القابلة للحكم أكثر مما تعكس مشروعا مجتمعيا موحدا.

في توزيع الحقائب، يتصدر البام المشهد بـ11 منصبا، تشمل رئاسة الحكومة وحقائب مركزية كالاقتصاد والمالية لفوزي لقجع، والعدل لعبد اللطيف وهبي، والفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية. هيمنة تعلن انتقال مركز الثقل الحكومي من التجمع الوطني للأحرار، الذي انتقل إلى المعارضة، إلى الأصالة والمعاصرة، الذي أصبح الفاعل الحزبي الأول في الجهاز التنفيذي.

حزب الاستقلال، الشريك الثاني بـ7 حقائب، احتفظ بدوره التقليدي كحزب التجهيز والبنية التحتية، مع نزار بركة في التجهيز والماء والغابات، ورياض مزور في الصناعة والتجارة والاستثمار، وعبد الصمد قيوح في النقل واللوجستيك. حضور يمنح الحكومة غطاء وطنيا ومؤسساتيا، ويضطلع بملفات ترابية حساسة مرتبطة بالماء والتفاوتات المجالية.

أما عودة اليسار إلى الحكومة، عبر الاتحاد الاشتراكي (4 مناصب) والتقدم والاشتراكية (3 مناصب)، فهي الحدث السياسي الأبرز بعد سنوات من المعارضة. لكن هذه العودة جاءت عبر الحقائب الاجتماعية الأثقل والأكثر كلفة سياسيا: الصحة والحماية الاجتماعية، والتشغيل والحوار الاجتماعي، والتربية الوطنية، والطاقة والمعادن. وضع يضع نبيل بنعبد الله، ويونس بجيجو، وعبد الرحيم شهيد، وشرفات أفيلال في واجهة الملفات الأكثر انفجارا اجتماعيا، بينما بقي القرار المالي بيد البام. إنها عودة مشروطة، تمنح اليسار فرصة استعادة المصداقية التنفيذية، لكنها تحمله في الوقت نفسه مسؤولية الفشل المحتمل في قطاعات تعرف خصاصا مزمنا.

في مقابل هذا التداول الحزبي، تبرز الحقائب السيادية كعنوان للاستمرارية والاستقرار. بقاء عبد الوافي لفتيت في الداخلية، وناصر بوريطة في الشؤون الخارجية، وأحمد التوفيق في الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد اللطيف لوديي في إدارة الدفاع الوطني، إلى جانب حسن طارق أمينا عاما للحكومة، وأحمد رحو في وزارة مستحدثة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، يعكس اختيارا مؤسساتيا واعيا.

في القراءة الموضوعية لهذا الخيار، لا يتعلق الأمر بإخراج هذه القطاعات من الديمقراطية، بل بحمايتها من التجاذبات الحزبية الظرفية. الداخلية تضمن حياد الإدارة الترابية والأمن والاستقرار الاجتماعي، والخارجية تحفظ وحدة الخطاب الدبلوماسي المغربي واستمرارية التزاماته الدولية، خاصة في قضية الصحراء المغربية والشراكات الإفريقية والدولية، بينما يحفظ الدفاع والأوقاف للمؤسسة العسكرية والحقل الديني طابعهما الوطني الجامع فوق الصراعات الانتخابية. إنه نموذج مغربي يقوم على فصل وظيفي بين حكومة منتخبة تدبر الاقتصاد والاجتماع وتخضع للمساءلة البرلمانية، ودولة مستقرة تضمن السيادة والأمن والهوية والاستمرارية الاستراتيجية.

غير أن هذا التوازن الدقيق يطرح سؤال الانسجام الحكومي. كيف ستدبر أغلبية تضم البام والاستقلال واليسار ملفات خلافية بطبيعتها، كإصلاح التعليم، وتعميم الحماية الاجتماعية، ومدونة الأسرة، وسياسات التشغيل؟ وكيف سيتحول التنوع الأيديولوجي من عامل إغناء إلى عامل شلل عند أول اختبار برلماني أو اجتماعي حقيقي؟

مؤشرات النجاح خلال الولاية المقبلة لن تقاس بعدد الحقائب لكل حزب، بل بثلاثة معايير حاسمة: أولا، قدرة رئيسة الحكومة على فرض انسجام برنامجي داخل ائتلاف متباين. ثانيا، تحويل الحقائب الاجتماعية المسندة لليسار والاستقلال إلى نتائج ملموسة في الصحة والتعليم والتشغيل، تخفف من التوترات الاجتماعية التي برزت بقوة في الأشهر الأخيرة. وثالثا، مدى نجاح الحكومة في تقليص التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وهو الوعد المركزي الذي رفعته المنصوري عقب تعيينها.

في المحصلة، لا تبدو حكومة المنصوري حكومة قطيعة، بل حكومة إعادة توزيع محسوبة للمسؤوليات داخل نفس هندسة السلطة، مع تغيير في الواجهة الحزبية وتوسيع لقاعدة الأغلبية لامتصاص المطالب الاجتماعية. نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على أن تثبت، بالأفعال لا بالتشكيلة، أن التداول الحزبي يمكن أن ينتج سياسات عمومية فعالة، وأن الاستقرار السيادي يمكن أن يتكامل مع دينامية حكومية منتخبة ومسؤولة أمام البرلمان والمواطنين.

وعليه، فإن التخوف الكبير لدى الرأي العام المتتبع والمتضرر من إرث حكومات بنكيران والعثماني وأخنوش، يمكن حصره في القدرة الفعلية لهذه الحكومة الجديدة على كسر منطق الاستمرارية في السياسات العمومية، وليس فقط تغيير الوجوه والأحزاب الحاكمة.

ذلك أن المواطن المغربي، بعد ثلاث ولايات متتالية رفعت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية، لم يعد يقيس الحكومات ببرامجها المعلنة ولا بتشكيلتها الحزبية، بل بقدرتها على التأثير الملموس في معيشه اليومي: القدرة الشرائية، وجودة الصحة والتعليم العموميين، وفرص الشغل، ومحاربة الريع والزبونية.

من حكومة بنكيران التي انتهت بتحرير المحروقات ورفع الدعم عن المواد الأساسية وإصلاح التقاعد على حساب الأجراء، إلى حكومة العثماني التي وسمت بالضعف السياسي وتفكك الأغلبية، وصولا إلى حكومة أخنوش التي ارتبطت في الوعي الجمعي بغلاء الأسعار وتضارب المصالح وهيمنة منطق رجال الأعمال على القرار العمومي، تراكم لدى الرأي العام شعور عميق بأن الحكومات تتعاقب، لكن السياسات الكبرى لا تتغير، وأن كلفة الإصلاح يدفعها دائما المواطن البسيط.

التخوف اليوم، إذن، ليس من فاطمة الزهراء المنصوري كشخص، ولا من دخول اليسار أو خروج الأحرار، بل من أن تعيد حكومة 2026 إنتاج نفس المعادلة: أغلبية عددية مريحة في البرلمان، وخطاب اجتماعي طموح في التصريح الحكومي، ثم اصطدام سريع بسقف القرار المالي، وضغوط اللوبيات، واستمرار نفس الاختيارات الاقتصادية التي عمقت التفاوتات الاجتماعية والمجالية.

بعبارة أدق، الرهان الحقيقي الذي يضعه المغاربة على هذه الحكومة هو قدرتها على إثبات أن التداول الحزبي له معنى، وأن صندوق الاقتراع يمكن أن يغير السياسات لا الأشخاص فقط، وأن المسؤولية الحكومية مرتبطة فعليا بالمحاسبة على النتائج، لا بالاكتفاء بتغيير لون الأغلبية كل خمس سنوات.

إذا فشلت المنصوري وفريقها في تحقيق قطيعة ملموسة في ملفات التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية خلال السنة الأولى، فإن التخوف الحالي سيتحول إلى أزمة ثقة بنيوية، لن تعود موجهة ضد حكومة بعينها، بل ضد جدوى العملية السياسية برمتها، وقد تعصف الرياح بما لا تشتهيه السفن خلال الانتخابات الجماعية المحلية المقبلة.

هذه ليست حكومة عادية، ولن تكون ولاية عادية. المغاربة لا يطلبون المعجزات، ولا ينتظرون خطابات جديدة بلغة خشبية جديدة. لقد سمعوا كل شيء: الإصلاح، والبديل، والكفاءة، والعدالة الاجتماعية. ودفعوا ثمن كل شيء: من جيوبهم، ومن صحتهم، ومن تعليم أبنائهم، ومن مستقبل شبابهم.

اليوم، تقف حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام الحقيقة العارية: إما أن تكون حكومة القطيعة مع منطق بنكيران والعثماني وأخنوش، حكومة تحمي القدرة الشرائية، وتنقذ المستشفى والمدرسة العمومية، وتخلق الشغل، وتحاسب المسؤولين مهما كانت انتماءاتهم، أو تكون مجرد ديكور جديد لنفس المسرحية القديمة.

لا عذر لكم بعد اليوم. تملكون الأغلبية، وتملكون الحقائب، وتملكون الوقت. ما لا تملكونه هو ثقة شعب تعب من الوعود. فإما أن تعيدوا للسياسة معناها، وللانتخابات جدواها، وللمواطن كرامته، أو اعترفوا بصوت عال أن المشكل لم يكن يوما في من يحكم هذا البلد، بل في من يساهم في الحكم.

التاريخ لا يرحم الحكومات التي تخلف الموعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!