
المصطفى الجوي – موطني نيوز
بعد سنوات من الانتظار، خرج السوق المركزي الجديد ببنسليمان إلى الوجود، لكنه لم يخرج كما وعدت به الساكنة. فبحسب معطيات توصلت بها الجريدة، يعاني المشروع الذي أنجزه المجلس الإقليمي، بصفته صاحب المشروع، من اختلالات تقنية وقانونية تطرح أكثر من علامة استفهام حول ظروف تسلمه. وهي اختلالات لا يمكن وصفها بالهفوات العابرة، لأنها تمس الأسس التي يقوم عليها أي مرفق عمومي: الماء والكهرباء والصرف الصحي والسلامة القانونية للبناية.
أولى الملاحظات تهم قنوات تصريف المياه العادمة. تفيد المعطيات المتوفرة بأن هذه القنوات أُنجزت دون احترام الانحدار المطلوب، أي “الوزنة” بلغة أهل الورش، وهو شرط تقني أساسي لضمان انسياب المياه. وغيابه يعني تجمع المياه واحتمال انسداد القنوات وانبعاث الروائح، وهو ما قد يتحول في سوق يُفترض أن يبيع مواد غذائية إلى مشكل صحي دائم، فضلاً عن كلفة الإصلاح التي ستتحملها المالية العمومية لاحقاً.
وفي ورش الكهرباء، تم تسلم الأشغال دون الحصول على تأشيرة المكتب الوطني للكهرباء على مخطط الجرد (Plan de récolement). ويُعد هذا الإجراء شرطاً ضرورياً لتسلم أي مشروع من هذا النوع، لأنه الوثيقة التي تُثبت مطابقة الشبكة الكهربائية للمنجَز فعلياً على أرض الواقع. أما تسلمها دون هذا التأشير فمعناه أن أحداً لم يتأكد رسمياً من سلامة منشأة تستقبل يومياً عشرات التجار والزبناء.
والأمر ذاته ينطبق على الماء. فأشغال الربط الفردي بالماء غير منجزة، ومع ذلك جرى تسلم المشروع دون تأشيرة المكتب الوطني للماء الصالح للشرب على مخطط الجرد الخاص به. أي أن مشروعاً قُدم على أنه منتهٍ لا يزال ناقصاً في أحد أهم مرافقه، وكأن ملف التسلم أُقفل قبل أن يُقفل الورش.
لكن الأخطر في الملف، حسب المعطيات نفسها، أن المشروع برمته لا يتوفر على شهادة المطابقة ولا على الضمان العشري. وهذا الأخير ضمانة تبقى سارية لعشر سنوات، تُمكّن صاحب المشروع من مساءلة المقاولة والمتدخلين إذا ظهرت عيوب في البناية، وهو مضمن في دفتر الشروط العامة المطبق على الأشغال، وتستوجبه المشاريع من هذا النوع. وغيابه يعني أن أي عيب يظهر في المستقبل، وقد ظهرت مؤشراته أصلاً، قد يُؤدى ثمنه من جيوب دافعي الضرائب بدل أن تتحمله الجهات المنجِزة.
ويبقى المجلس الإقليمي، بصفته صاحب المشروع، أول من يتحمل المسؤولية عن هذا الوضع، إذ إن تسلم الأشغال من اختصاصه وتحت مسؤوليته. غير أن المسؤولية لا تقف عنده، فجماعة بنسليمان، التي يُفترض أن تتسلم المرفق وتدبره، لم تطالب، حسب المعطيات المتوفرة، بالوثائق الأساسية للمشروع، وفي مقدمتها مخطط الجرد الكهربائي المؤشر عليه من المكتب الوطني للكهرباء، ومخطط الجرد المؤشر عليه من المكتب الوطني للماء، وشهادة مطابقة المشروع. ومن يقبل مرفقاً دون هذه الوثائق يتحمل قسطه من المسؤولية.
أما عامل الإقليم، فتشير مصادر الجريدة إلى أنه لا يد له في اختيارات المشروع ولا في تدبيره، وأنه أبدى غضبه وسخطه عند زيارته للورش لأول مرة بعد تعيينه، حيث نُقل عنه أنه خاطب المهندس المشرف قائلاً: “دير شي حل نصلحو هذ الزبلة للي درتو لينا”. وقد ساهم العامل بمبلغ 100 مليون سنتيم لإنجاز بعض الإصلاحات الأخيرة. غير أن “الحاجة العوجة من الأول صعيب تقاد”، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالماء والكهرباء، وهما عصب أي سوق.
أمام هذا الوضع، تبدو المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية الجهة المخولة بافتحاص الملف وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات. فحجم الاختلالات وتعدد المتدخلين فيها يجعلان من هذا المشروع ملفاً قد تترتب عنه مساءلات تطال مسؤولين كباراً، إذا ما أثبتت التحقيقات صحة هذه المعطيات.
وفي المحصلة، يضيف السوق المركزي الجديد حلقة أخرى إلى سلسلة المشاريع المتعثرة وغير المكتملة التي تعرفها مدينة بنسليمان. وهو اليوم، بحسب ما توفر من معطيات، وصمة على جبين تدبير الشأن العام المحلي، وشاهد على أن الأموال العمومية قد تُصرف في مشاريع تُسلَّم قبل أن تستوفي شروطها، ثم يُترك للساكنة أن تتحمل تبعاتها.