
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في لحظة تاريخية يعيّن فيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة المغربية، يخرج نفر من المتطاولين ليلوّحوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وكأنهم اكتشفوا كنزاً فقهياً يبرر تشكيكهم في كفاءتها ويشكك في قرار أمير المؤمنين. هؤلاء نسوا، أو تناسوا عمداً، أن الحديث جاء في سياق محدد واضح : لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ولّوا عليهم بوران ابنة كسرى بعد اضطراب ملكهم وتداعي دولتهم، فكان التعليق النبوي وصفاً لحال أمة فقدت تماسكها وراحت تبحث عن قيادة في لحظة انهيار، لا حكماً مطلقاً يمنع كل امرأة من كل مسؤولية في كل زمان ومكان.
المغرب ليس فارس المنهارة، والمغاربة لم يولّوا أمرهم امرأة. المغاربة تحت ولاية أمير المؤمنين الملك محمد السادس، الذي يمسك بزمام الأمر الشرعي والدستوري، وهو صاحب الولاية العامة التي لا ينازعه فيها أحد. السيدة فاطمة الزهراء المنصوري مواطنة مغربية مكلفة بمهمة تنفيذية، تماماً كما كانت وزيرة للسكنى وسياسة المدينة في حكومات سابقة، وكما كانت وزيرات أخريات يؤدين واجبهن تحت سقف الشرعية الملكية. الولاية للأمر العام في المغرب هي لجلالة الملك وحده، وما رئاسة الحكومة إلا تكليف بمهام محددة في إطار الدستور والمؤسسات، لا نقلٌ للسيادة ولا تحويل للولاية.
الذين يرفعون الحديث اليوم سلاحاً ضد التعيين الملكي يتجاهلون عمداً تاريخاً إسلامياً طويلاً حفل بنساء تقلدن مسؤوليات جساماً في دول إسلامية، من الشفاء بنت عبد الله التي ولاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحسبة في سوق المدينة، إلى شجرة الدر التي أدارت مصر في أحرج لحظات الحملة الصليبية، إلى الملكة أروى التي حكمت اليمن عقوداً بكفاءة يشهد لها التاريخ والقائمة طويلة. هؤلاء نسوا أن العلماء الذين شرحوا الحديث ميزوا بين الولاية العامة التي تقتضي الإمامة الكبرى وبين المهام الجزئية والتنفيذية، وأن السياق التاريخي للحديث مرتبط بحال أمة مضطربة لا بنظام دستوري ملكي راسخ كالنظام المغربي.
التشكيك في قدرات السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بهذه الطريقة ليس غيرة على السنة، بل استغلال انتقائي مقيت لنص نبوي شريف يُنتزع من سياقه ليخدم غرضاً سياسياً ضيقاً. هؤلاء المتطاولون لا يطعنون في امرأة فحسب، بل يطعنون في قرار أمير المؤمنين نفسه، ويحاولون أن يوهموا الرأي العام أن المغرب قد “ولّى أمره امرأة”، بينما الحقيقة الساطعة أن المغرب ما زال تحت ظل إمارة المؤمنين، وأن المرأة المكلفة ما هي إلا خادمة للدولة في مهمة مؤقتة، تماماً كما كان الوزراء والوزيرات من قبلها.
لهذه الشرذمة أقول : التاريخ الإسلامي لا يُختزل في حديث واحد يُستخدم كسوط، بل يُقرأ في سياقه الكامل. والمغرب المعاصر لا يُدار بفتاوى الشارع المنتقاة، بل ببيعة شرعية ودستور واضح وقرار ملكي يضع الرجل المناسب أو المرأة المناسبة في المكان المناسب. من يصر على استغلال الحديث ليطعن في تعيين فاطمة الزهراء المنصوري إنما يكشف عن عجزه عن فهم طبيعة الحكم في المملكة، وعن رغبة مكبوتة في تحويل الدين إلى أداة رفض لأي تقدم لا يوافق هواه. فالحقيقة أبسط وأقوى، الولاية لأمير المؤمنين، والمهمة لوزيرة سابقة أثبتت كفاءتها، والباقي ضجيج لا يغير من الواقع شيئاً.