محمد الفايد والمقدّسات : بين حرية التفكير ومسؤولية الخطاب

الدكتورة عافية صابر
الدكتورة عافية صابر

بقلم د . عافية صابر – موطني نيوز 

إذا كان الاختلاف مع الطّبّ أو المؤسسات العلمية يمكن أن يبقى في دائرة النقاش الفكري، فإنّ الأمر يصبح أكثر حساسية وخطورة عندما يمتدّ الخطاب إلى الدّين ومقام الرّسول محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
فهنا لا نتحدّث فقط عن رأيٍ علميٍّ قابلٍ للنقاش، ولا عن فرضيّة يمكن إثباتها أو دحضها في مختبر، وإنّما عن مقدّساتٍ تشكّل جزءاً عميقاً من الوعي الدّيني والوجداني للمجتمع.
ومن هنا، فإنّ الخرجات الأخيرة المنسوبة إلى محمّد الفايد، وما أثارته من جدلٍ حول الدّين وبعض القضايا المرتبطة بالسّيرة النبويّة ومقام الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، تستحقّ قراءةً هادئةً ولكن صارمةً؛ لأنّ حرية التفكير لا تعني بالضرورة حرية إطلاق الأحكام دون مسؤولية، كما أنّ الجرأة الفكريّة لا تُقاس بمدى استفزاز الجمهور.

الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليس مادّة للترند
يمكن للباحث أن يناقش التّاريخ، وأن يدرس الرّوايات، وأن يطرح أسئلة حول المصادر والمناهج، وهذا أمر عرفه الفكر الإسلامي منذ قرون.
لكن ثمة فارقاً كبيراً بين البحث العلمي الرّصين وبين تحويل القضايا المرتبطة بشخص الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إلى مادّة سجالية تستمدّ قوّتها من الصّدمة.
فمقام النّبوة ليس عنواناً تجاريّاً، والسّيرة النبويّة ليست مادّةً لاستعراض التّفوّق على الجمهور، والدّين ليس مسرحاً لإثبات أنّ صاحبه “أكثر وعياً” من الآخرين.
حين يتحوّل الحديث عن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إلى عبارات مستفزّة أو أحكام قاطعة أو تأويلات منفصلة عن أصول البحث الدّيني والتّاريخي، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل نحن أمام بحثٍ يريد الوصول إلى الحقيقة، أم أمام خطابٍ يريد صناعة الصّدمة؟
وهذا السؤال مشروع، بل ضروري.

بين حرية التفكير ومسؤولية الكلمة
لا أحد يملك حقّ مصادرة التّفكير أو منع الباحث من مساءلة الرّوايات التّاريخية.
لكنّ حرية التفكير لا تعفي صاحبها من مسؤولية ما يقول، خصوصاً عندما يكون المتحدّث صاحب حضورٍ واسعٍ، ويتابعه آلافٌ أو ملايين الأشخاص.
فالكلمة التي يقولها أستاذٌ في قاعة بحثيّة مغلقة تختلف في أثرها عن الكلمة نفسها عندما تُلقى أمام جمهورٍ واسعٍ يبحث عن إجابات جاهزة.
وهنا تتضاعف المسؤولية.
فالناس لا تستقبل الكلام دائماً باعتباره “رأياً شخصيّاً”، بل قد تتعامل معه باعتباره حقيقة، خصوصاً عندما يصدر عن شخصٍ يحمل لقباً أكاديميّاً أو يتمتّع بصورة “المثقف المختلف”.
ومن الخطأ أن نطلب من الجمهور أن يفرّق دائماً بين البحث العلمي والرّأي الشخصي، بينما يقدّم المتحدّث نفسه أحياناً بلغة توحي باليقين المطلق.

أخطر ما في الخطاب: إسقاط الحدود بين الاختصاصات
قد يكون للإنسان تكوينٌ علميٌّ محترم، وقد يكون صاحب تجربةٍ طويلةٍ في مجالٍ معيّن، لكنّ ذلك لا يمنحه تلقائياً سلطة الفصل في جميع القضايا.
الدّين له علماؤه ومناهجه.
والحديث له علومه.
والتّاريخ له مناهجه.
والطّبّ له قواعده.
والعلوم الطبيعية لها أدواتها.
والتّخصّص الحقيقي لا يعني امتلاك الحقيقة في كلّ شيء.
ولهذا فإنّ طرح قضايا دينيّة شديدة الحساسية يحتاج إلى معرفةٍ دقيقةٍ بمصادرها ومناهجها وسياقاتها، لا إلى مجرد الاستناد إلى قناعةٍ شخصيّةٍ أو قراءةٍ انتقائيّةٍ لنصوصٍ متفرّقة.

المشكلة ليست في السؤال… بل في طريقة طرحه
السؤال ليس جريمة.
والشكّ المنهجي ليس جهلاً.
والبحث ليس إساءة.
لكن هناك فرقاً بين أن تقول: “هذه الرواية تحتاج إلى دراسةٍ نقديّةٍ”، وبين أن تقدّم حكماً نهائيّاً دون تأسيسٍ علميٍّ كافٍ.
وهناك فرق بين دراسة السّيرة النبويّة دراسةً تاريخيّةً، وبين استخدام شخصية الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لإثارة الجدل وإنتاج مشاهد إعلاميّة مثيرة.
كما أن هناك فرقاً بين نقد بعض الممارسات الدّينيّة، وبين وضع الدّين كلّه في قفص الاتّهام.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في الخطاب العام هو أن تضيع هذه الحدود.

صناعة “الوعي” عبر استفزاز المؤمنين
من حقّ أيّ مفكّر أن يختلف مع السّائد.
لكن ليس من حقّه أن يجعل استفزاز النّاس معياراً لقوّة فكرته.
فليس كلّ ما يثير الغضب عميقاً، وليس كلّ ما يصدم الجمهور اكتشافاً فكريّاً، وليس كلّ موقفٍ مخالفٍ للسّائد دليلاً على الشجاعة.
أحياناً تكون الجملة الأكثر هدوءاً أقوى من عشرات الخرجات الصاخبة.
وأحياناً يكون الاعتراف بحدود المعرفة أكثر علميّةً من الادّعاء بامتلاك الإجابة عن كلّ شيء.

من نقد التراث إلى هدم الثقة؟
هنا نصل إلى السؤال الأوسع.
حين تتكرّر الرّسائل التي تصوّر العلماء باعتبارهم جهلة، والأطباء باعتبارهم مضلّلين، والمؤسسات باعتبارها عاجزة، والموروث الدّيني باعتباره كتلةً من الأخطاء، ثمّ يُقدَّم صاحب الخطاب نفسه باعتباره صاحب “الوعي الحقيقي”، فإنّنا لا نعود أمام مجرّد نقدٍ جزئيٍّ.
نصبح أمام بناء سرديّة كاملة:
أنا أعرف، والآخرون لا يعرفون.
أنا أملك الحقيقة، والآخرون يعيشون في الوهم.
أنا أكشف ما يخفيه الجميع.
وهذه البنية الخطابيّة خطيرة، لأنّها تحوّل المتلقّي من باحثٍ عن الحقيقة إلى تابعٍ لشخص.
والوعي الحقيقي لا يصنع أتباعاً.
الوعي الحقيقي يصنع عقولاً قادرةً على السؤال والمناقشة والاختلاف.

لا نقدّس الأشخاص… ولا نسمح بتسفيه المقدّسات
الموقف المتوازن لا يقتضي تقديس أيّ شخص، مهما كان اسمه أو لقبه.
لكن رفض تقديس الأشخاص لا يعني السماح بتحويل المقدّسات إلى مادّةٍ للاستهزاء أو الاستعراض.
يمكن أن ننتقد الفقيه.
يمكن أن نناقش الطبيب.
يمكن أن نراجع المؤرّخ.
يمكن أن نختلف مع الأستاذ.
لكن عندما يتعلّق الأمر بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ الخطاب يحتاج إلى قدرٍ عالٍ من المسؤولية والاحترام، خصوصاً داخل مجتمعٍ مسلمٍ يعرف مكانة النّبيّ في وجدانه وعقيدته.
وهنا ينبغي أن تكون القاعدة واضحة:
ناقش الرّواية، ناقش المصدر، ناقش المنهج، ناقش القراءة التاريخية… لكن لا تجعل مقام النّبوة سلعةً في سوق المشاهدات.

بين النقد المسؤول والتشهير
من الضروري أيضاً التمييز بين نقد الأفكار ونسبة النيّات إلى أصحابها. فمناقشة خطاب محمّد الفايد أو غيره ينبغي أن تنصبّ على العبارات والمصادر والمناهج والنتائج، لا على إطلاق أوصافٍ شخصيّةٍ أو أحكامٍ أخلاقيّةٍ لا يثبتها دليل.
إنّ رفض خطابٍ ما لا يبرّر التشهير بصاحبه، كما أنّ الدفاع عن حرية التعبير لا يبرّر إعفاء الخطاب من النقد. وبين هذين الطرفين يمكن بناء نقاشٍ ناضجٍ يحفظ حقّ الاختلاف، ويمنع في الوقت نفسه التلاعب بالمقدّسات أو تضليل الجمهور.
فالمجتمع لا يحتاج إلى حملات كراهية، بل إلى أدواتٍ للفهم والتحقّق. ولا يحتاج إلى تحويل كلّ خلافٍ إلى معركة هويّة، بل إلى ترسيخ ثقافةٍ تسأل عن الدّليل، وتفحص السياق، وتفرّق بين الخطأ العلمي والإساءة المتعمّدة، وبين السؤال المشروع والعبارة المستفزّة.

مسؤولية الجمهور والمنصّات
لا تقع المسؤولية على المتحدّث وحده؛ فالجمهور شريكٌ في تشكيل المجال العام. وكلّما كوفئت العبارات الأكثر إثارةً بالانتشار والتفاعل، ازداد إغراء صناعة الصّدمة على حساب التثبّت والعمق.
كما تتحمّل المنصّات الإعلاميّة والرقميّة مسؤوليةً أخلاقيّةً في عدم اقتطاع العبارات من سياقها لمجرّد رفع المشاهدات، وفي تقديم القضايا الحساسة ضمن سياقٍ يتيح الفهم والمناقشة، لا ضمن عناوين تستثمر الغضب والانقسام.
إنّ الخوارزميات لا تميّز دائماً بين الحقيقة والإثارة، ولذلك ينبغي للإنسان أن يقوم بهذا الدور: أن يتوقّف قبل المشاركة، وأن يعود إلى المصدر، وأن يسأل عمّا حُذف من السياق، ومن المستفيد من تحويل النقاش إلى موجة غضب.

الخلاصة: نحتاج إلى نقد الخطاب لا إلى صناعة معركة
ليس المطلوب إسكات محمّد الفايد، ولا إسكات أيّ صاحب رأي.
المطلوب هو أن نخضع الخطاب نفسه للمساءلة.
ما مصدر المعلومة؟
ما درجة صحّة الرّواية؟
ما المنهج المستخدم؟
هل المتحدّث يتحدّث من داخل اختصاصه؟
هل يعرض الرأي المخالف بأمانة؟
هل يميّز بين الحقيقة العلميّة والاستنتاج الشخصي؟
وهل يبحث فعلاً عن الحقيقة، أم يبحث عن جمهورٍ يصفّق له لأنّه قال ما لم يجرؤ الآخرون على قوله؟
إنّ أخطر ما يمكن أن نفعله في زمن المنصّات الرّقميّة هو أن نستبدل عبادة الأشخاص بعبادة الترند.
فكما لا ينبغي أن نصدّق الطبيب لمجرّد أنّه طبيب، لا ينبغي أن نصدّق المفكّر لمجرّد أنّه مفكّر، ولا الباحث لمجرّد أنّه يحمل لقباً أكاديميّاً.
الحقيقة أكبر من الأشخاص.
والعلم أكبر من الشهرة.
والدّين أكبر من الجدل.
ومقام الرّسول صلّى الله عليه وسلّم أكبر من أن يتحوّل إلى مادّةٍ لصناعة المشاهدات.
ولهذا فإنّ المعركة الحقيقيّة ليست بين محمّد الفايد وخصومه، ولا بين “الحداثة” و”التراث”، ولا بين “الوعي” و”الجهل”.
المعركة الحقيقيّة هي بين منهجٍ يبحث عن الحقيقة بتواضعٍ ومسؤولية، وخطابٍ يجعل من الثقة في صاحبه بديلاً عن الدّليل.
وهنا تحديداً ينبغي أن يتدخّل القارئ الواعي، لا ليقدّس أحداً، ولا ليكره أحداً، وإنّما ليطرح السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً دائماً:
أين الدّليل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!