
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لم يعد سكان مدينة بنسليمان في حاجة إلى من يذكّرهم بأن حال طرقاتهم بلغ درجة لا يحتمل معها الصمت. يكفي أن يخرج المواطن صباحاً إلى عمله، أو يرافق أبناءه إلى مدارسهم، ليقف على مشهد يومي يختصر حجم الإهمال، حفر متراكمة، وأتربة متناثرة، وأزقة أنهكتها الأشغال غير المنتهية، وشوارع صار عبورها مغامرة محفوفة بالمخاطر. لقد تحولت مسالك المدينة، في غياب شبه تام للمراقبة والمتابعة، إلى ما يشبه ساحة حرب، يتقاسمها الراجلون والسائقون والشاحنات الثقيلة، ويدفع ثمنها في النهاية المواطن البسيط والبنية التحتية لهذه المدينة المنكوبة.
وفي صلب هذا الوضع يبرز ورش إصلاح مقطع لا يتجاوز طوله مئة متر من الشارع الرئيسي لبنسليمان، وهو ورش دخل يومه الخامس والأربعين وما زال الشارع مغلقاً أمام حركة السير. ومن المثير للتساؤل أن مقطعاً بهذا الطول المحدود يستغرق من الوقت ما يكفي لإنجاز مشاريع أكبر بكثير. فهل المشكلة في ضعف إمكانيات الشركة المكلفة بالأشغال؟ أم في غياب دفتر تحملات واضح يحدد الآجال ويرتب الجزاءات عند التأخر؟ أم في غياب جهة تتابع وتحاسب؟ أسئلة مشروعة يطرحها الرأي العام المحلي، ولا تجد إلى حدود الساعة جواباً مقنعاً.

إن إغلاق الشارع الرئيسي لا يمثل مجرد إزعاج عابر. فالشريان الذي يربط أحياء المدينة ويحمل حركتها اليومية، حين يُقطع، تتحول كل حركة السير إلى مسالك ثانوية وأزقة داخلية لم تُصمم أصلاً لاستيعاب هذا الضغط. وهنا يبدأ الضرر الأكبر، إذ وجدت الشاحنات الكبيرة القادمة من المقالع المحيطة بالمدينة، والمحملة في كثير من الأحيان بأوزان تفوق الحمولة المسموح بها قانوناً، نفسها تعبر وسط الأحياء السكنية. والنتيجة معروفة لدى الساكنة: طرق متآكلة، وأرصفة محطمة، وبنية تحتية تتدهور بوتيرة أسرع من قدرة أي ميزانية على إصلاحها.
ولا يتوقف الأمر عند الخسائر المادية. فقد سُجلت حوادث سير عديدة، بعضها خلف ضحايا فقدوا أرواحهم، وهي أثمان لا يمكن تعويضها ولا تقدر بمال. وحين تتكرر الحوادث في الأمكنة نفسها وبالأسباب نفسها، فإن الحديث عن القضاء والقدر يصبح هروباً من المسؤولية، لأن ما يحدث نتيجة منطقية لغياب المراقبة وتراخي تطبيق القانون في حق المخالفين، سواء تعلق الأمر بتجاوز الحمولة القصوى، أو باحتلال الطرقات، أو بإنجاز أشغال دون إشارات تحذيرية وتدابير سلامة كافية.

ولعل ما يعيشه مدخل حي الفلين خير دليل على هذا الواقع. فالمدخل الذي ينبغي أن يكون واجهة تليق بالساكنة صار نموذجاً صارخاً لتدهور الطرق، بحفر عميقة وأرضية متآكلة تعيق السير وتهدد سلامة الراجلين والمركبات على حد سواء. ومن يمر هناك يدرك أن الأمر لا يتعلق بعيب عابر قابل للتدارك بترقيع موسمي، بل بتراكم سنوات من الإهمال وغياب الصيانة والمتابعة.
ويبقى السؤال الجوهري: من المسؤول؟ إن المسؤولية، في تقديرنا، موزعة بين أطراف متعددة. فهناك الجهة صاحبة المشروع، المطالبة بتتبع وتيرة الأشغال والتدخل حين يقع الإخلال بالآجال. وهناك المجلس الجماعي، المخول له قانوناً السهر على تدبير الشأن المحلي وحماية المرفق العمومي. وهناك السلطات المحلية والمصالح المختصة بمراقبة السير والحمولة، التي ينتظر منها حضور ميداني فعال وصارم في تطبيق القانون. وهناك أخيراً الشركة المنفذة، التي يفرض عليها التزامها التعاقدي احترام الآجال وشروط السلامة. وحين تغيب المحاسبة عن هذه السلسلة، يصبح التقصير قاعدة والانضباط استثناء.

أما السؤال الثاني: لماذا تبدو بنسليمان مهمشة إلى هذا الحد؟ فهو يعبر عن شعور متنامٍ لدى الساكنة بأن مدينتهم، رغم موقعها الاستراتيجي بين الدار البيضاء والرباط، ورغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وبشرية، لا تحظى بما تستحقه من عناية واهتمام مقارنة بمدن أخرى. وسواء كان هذا الشعور مبنياً على معطيات دقيقة أو على تراكم الإحباط، فإنه يستدعي من المسؤولين التفاعل معه بالشفافية والوضوح، عبر الإعلان عن مراحل المشروع وآجال انتهائه والأسباب الحقيقية للتأخر، بدل ترك المواطنين نهباً للتخمينات.
إن ما تحتاجه بنسليمان اليوم ليس وعوداً جديدة، بل إجراءات ملموسة وعاجلة: تحديد أجل نهائي ومعلن لانتهاء الأشغال، وتفعيل بنود الجزاءات عند التأخر، وتكثيف المراقبة على الشاحنات المحملة فوق طاقتها، وإطلاق برنامج حقيقي لإصلاح المحاور المتضررة وفي مقدمتها مدخل حي الفلين. فالطريق ليست ترفاً ولا مجرد إسفلت، بل هي مرآة لمدى احترام المسؤولين لحق المواطن في التنقل الآمن والعيش الكريم.

ويبقى الأمل معقوداً على أن يجد هذا النداء آذاناً صاغية، قبل أن تتحول الحوادث المتكررة إلى مآسٍ جديدة، وقبل أن يفقد المواطن ما تبقى من ثقته في مؤسساته المحلية.