
بقلم عبد الله رحيوي – موطني نيوز
لا يمكن قراءة خريطة التحالفات التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر 2026 بمعزل عن طبيعة الحملة الانتخابية التي سبقت الاقتراع، والتي شهدت توتراً سياسياً لافتاً، خصوصاً بين مكونات الأغلبية الحكومية السابقة، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة.
فبدل أن تنحصر المنافسة في عرض البرامج والبدائل، برزت خلال الحملة ملفات ذات حمولة سياسية واجتماعية قوية، من قبيل *الفساد وتضارب المصالح والقدرة الشرائية والدعم العمومي وملف استيراد الأغنام، الذي اشتهر إعلامياً بملف «الفراقشية»*. وقد تحولت هذه الملفات إلى مادة للمواجهة السياسية وتبادل الاتهامات بين الأحزاب. ورصدت «ترانسبارنسي المغرب» حضور قضايا النزاهة ومحاربة الرشوة والإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بقوة في البرامج والخطاب الانتخابي للأحزاب.
وكان ملف «الفراقشية» من أكثر الملفات حساسية، بعدما تحول إلى موضوع سجال سياسي حول كيفية تدبير الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام ومدى فعالية آليات المراقبة والتتبع. وقد أكدت فاطمة الزهراء المنصوري أن حزب الأصالة والمعاصرة سبق أن اقترح داخل الأغلبية إحداث لجنة لتقصي الحقائق حول المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف. وفي المقابل، أظهرت تغطيات صحفية أن الملف استُخدم سياسياً على نطاق واسع، بل إن بعض المعطيات المتداولة حول لجنة تقصي الحقائق تبين أنها كانت مبنية على واقعة لم تحدث بالشكل الذي جرى تداوله.
كما شهدت الحملة سجالاً حول تدبير المال العام ونتائج السياسات الحكومية، خاصة بعد تصريحات فوزي لقجع بشأن حجم الموارد التي تم تعبئتها لدعم القدرة الشرائية، والتي قُدرت بنحو 280 مليار درهم. وتحولت هذه التصريحات إلى أحد محاور النقاش الانتخابي، قبل أن تطالب «ترانسبارنسي المغرب» بتوضيح تفاصيل هذه النفقات وآليات تنفيذها ومراقبتها.
وامتدت التوترات إلى العلاقة بين الأحزاب نفسها، إذ تصاعد الخلاف بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة قبل بداية الحملة، وسط اتهامات متبادلة بشأن استقطاب المنتخبين والمرشحين وتغيير الانتماءات الحزبية. ووصلت المواجهة إلى حد إصدار المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار بياناً انتقد فيه ما وصفه بممارسات تستهدف عدداً من منتخبيه ومسؤوليه الترابيين، في وقت كان فيه الحزبان لا يزالان جزءاً من الأغلبية الحكومية نفسها.
واتخذت المنافسة بين الحزبين، خلال الحملة، طابعاً يتجاوز التنافس الانتخابي التقليدي إلى نقاش حول الحصيلة الحكومية والمسؤولية عن الاختلالات أو أوجه القصور التي كانت موضوع انتقاد. غير أن أهمية هذه المعطيات لا تكمن فقط في ما جرى خلال الحملة، وإنما في مدى تأثيره على مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.
في هذا الصدد، أعلن رياض مزور، باسم حزب الاستقلال، عدم وجود خطوط حمراء أمام التحالفات، بينما اختار التجمع الوطني للأحرار عدم الحسم فيها قبل ظهور النتائج وبدء المشاورات. أما الأصالة والمعاصرة، فعلى الرغم من إعلانه الانفتاح على الحوار مع مختلف الأحزاب، فقد عبّر خلال الحملة عن تحفظه تجاه إمكانية التحالف مع التجمع الوطني للأحرار في حال تصدر هذا الأخير الانتخابات.
وتبرز هنا مفارقة سياسية أساسية : الأحزاب التي تبادلت الانتقادات خلال الحملة قد تجد نفسها مضطرة إلى الجلوس حول طاولة واحدة لتشكيل أغلبية برلمانية.
فالتركيبة العددية تجعل تحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار يصل إلى 228 مقعداً، وهو ما يكفي لتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعدا. لكن العامل العددي وحده لا يحسم المسألة، لأن أي اتفاق من هذا النوع سيكون مطالباً بتجاوز إرث الخلافات التي ظهرت خلال الأشهر السابقة.
وفي المقابل، يتيح تحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال البحث عن أغلبية عبر ضم أحزاب أخرى، بما قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب المشهد الحكومي على أساس مختلف عن تركيبة 2021. غير أن هذا المسار يحتاج بدوره إلى توافقات سياسية وبرنامج حكومي مشترك، وليس مجرد جمع حسابي للمقاعد.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي بعد انتخابات 2026 لن يكون فقط في جمع 198 مقعداً أو أكثر، وإنما في قدرة الأحزاب على الانتقال من لغة الحملة الانتخابية إلى لغة التفاوض والمسؤولية الحكومية.
فالملفات التي استُعملت خلال الحملة، من «الفراقشية» إلى تضارب المصالح والقدرة الشرائية وتدبير المال العام، ستظل جزءاً من النقاش السياسي والمؤسساتي المقبل. ولذلك سيكون تشكيل الأغلبية مرتبطاً، إلى جانب الحسابات العددية، بمدى قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى أرضية مشتركة بشأن هذه الملفات، وتحديد المسؤوليات، ووضع برنامج حكومي قابل للتنفيذ.
وبذلك، فإن نتائج 2026 لا تضع الأحزاب أمام معادلة رقمية فقط، وإنما أمام معادلة سياسية أكثر تعقيداً: كيف يمكن تحويل منافسة انتخابية اتسمت بحدة في بعض مراحلها إلى تعاون حكومي قادر على إنتاج أغلبية مستقرة؟
وبعيداً عن المواقف والخطابات، تطرح الخريطة البرلمانية الجديدة سؤالاً أساسياً يتعلق بإمكانية بناء أغلبية من خارج حزبي التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، انطلاقا من الأحزاب التي تشكل الكتلة المتبقية داخل مجلس النواب.
البداية : 162 مقعدا
وفق المعطيات المعتمدة، يتوفر حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، بينما حصل حزب الاستقلال على 65 مقعداً.
وبجمع الحزبين، نحصل على : الأصالة والمعاصرة + الاستقلال = 162 مقعدا
وباعتبار أن الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب المكون من 395 مقعداً تتطلب 198 مقعداً، فإن هذا التحالف الافتراضي سيكون في حاجة إلى 36 مقعداً إضافيا لتأمين الأغلبية.
وهنا تبدأ الحسابات السياسية والعددية لباقي الأحزاب.
أولا : دخول الحركة الشعبية
إضافة الحركة الشعبية، التي تتوفر على 29 مقعداً، ترفع المجموع إلى: 97 + 65 + 29 = 191 مقعدا.
أي أن هذا الثلاثي سيبقى في حاجة إلى 7 مقاعد فقط للوصول إلى الأغلبية المطلقة.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية عددية، لأن إدخال حزب آخر بعد الحركة الشعبية يمكن أن يحول هذا التجمع إلى أغلبية برلمانية مكتملة.
ثانيا : الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي.
أما في حالة إضافة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، صاحب 26 مقعداً، إلى الأصالة والمعاصرة والاستقلال، فإن المجموع يصبح : 97 + 65 + 26 = 188 مقعدا. أي بفارق 10 مقاعد عن عتبة الأغلبية.
وبالتالي، فإن هذه الصيغة تحتاج بدورها إلى حزب إضافي أو مجموعة من المقاعد لاستكمال النصاب المطلوب.
ثالثا : الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية.
وبإضافة حزب التقدم والاشتراكية، صاحب 19 مقعداً، يصبح المجموع : 97 + 65 + 19 = 181 مقعدا.
أي أن هذه الصيغة تظل على بعد 17 مقعداً من الأغلبية.
رابعا : الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الدستوري.
أما إضافة الاتحاد الدستوري، صاحب 17 مقعداً، فترفع مجموع الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى: 97 + 65 + 17 = 179 مقعدا. ويبقى هذا التحالف في حاجة إلى 19 مقعداً إضافياً.
السيناريوهات الرباعية.
عند توسيع التحالفات، تظهر معادلات أكثر قدرة على تجاوز عتبة 198 مقعدا.
فمثلاً:
الأصالة والمعاصرة + الاستقلال + الحركة الشعبية + الاتحاد الاشتراكي = 217 مقعدا.
كما أن :
الأصالة والمعاصرة + الاستقلال + الحركة الشعبية + التقدم والاشتراكية = 210 مقاعد.
وفي صيغة أخرى :
الأصالة والمعاصرة + الاستقلال + الحركة الشعبية + الاتحاد الدستوري = 208 مقاعد.
كما يمكن حساب صيغة :
الأصالة والمعاصرة + الاستقلال + الاتحاد الاشتراكي + التقدم والاشتراكية = 207 مقاعد.
وهذه الصيغ الأربع تتجاوز، من الناحية العددية، عتبة 198 مقعداً.
الحسابات وحدها لا تحسم المفاوضات
غير أن هذه المعادلات الرقمية لا تعني بالضرورة أن أياً من هذه التحالفات سيُشكَّل فعلياً، لأن المفاوضات الحكومية لا تقوم على عدد المقاعد فقط، وإنما تتداخل فيها المواقف السياسية، والبرامج، والملفات التي طُرحت خلال الحملة الانتخابية.
فالخلافات التي ظهرت خلال الحملة، خصوصاً بشأن قضايا الفساد وتضارب المصالح وتدبير المال العام وملف «الفراقشية»، قد تشكل جزءاً من خلفية المفاوضات المقبلة، إلى جانب البرامج الاقتصادية والاجتماعية وموقع كل حزب من القضايا الكبرى.
وبذلك، فإن المعادلة الأكثر وضوحاً عددياً تبدأ من 162 مقعداً للأصالة والمعاصرة والاستقلال، بينما تحتاج بقية الأحزاب إلى تحديد مواقفها السياسية والبرنامجية قبل الانتقال من الحسابات النظرية إلى تحالف حكومي فعلي.
في المحصلة، تكشف الخريطة الجديدة عن تعدد المسارات الممكنة لتشكيل الأغلبية، لكن الرقم 198 يمثل عتبة حسابية فقط، أما بناء أغلبية سياسية مستقرة فيتطلب توافقاً بين الأطراف حول البرنامج الحكومي وترتيبات المرحلة المقبلة.
