
المصطفى الجوي – موطني نيوز
عاد الشريط المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، والذي وثّق اقتحام رئيس جماعة سيدي بطاش بإقليم بنسليمان لأحد مكاتب التصويت خلال يوم الاقتراع، ليثير موجة واسعة من التساؤلات والاستنكار، بعدما شاهده آلاف المتتبعين دون أن يحظوا بأي تفسير رسمي لما جرى. الفيديو أظهر مشاهد من الفوضى داخل مكتب من المفترض أن يكون فضاءً مغلقاً أمام كل تدخل خارجي، لكنه بقي لأيام حبيس التأويلات، إلى أن كشف “موطني نيوز” عن نسخة من محضر مكتب التصويت رقم 3، الكائن بالمدرسة الجماعاتية ابن طفيل، القاعة 1، حي المسجد 2، والذي يضع النقاط على الحروف ويؤكد أن ما جرى لم يكن مجرد “سوء فهم” عابر، بل تجاوز صريح للقانون.
المحضر، الذي يتوفر “موطني نيوز” على نسخة منه، يسجل بلغة رسمية لا لبس فيها أن رئيس الجماعة اقتحم مقر مكتب التصويت أثناء سريان عملية الاقتراع، وتدخل بشكل مباشر لتمكين امرأة من التصويت رغم أن اسمها لم يكن مسجلاً في اللائحة الانتخابية، وهو ما يشكل في حد ذاته خرقاً لأبسط قواعد العملية الانتخابية التي تقوم أساساً على مطابقة هوية الناخب مع اللوائح المعتمدة. والأخطر من ذلك أن المسؤول الجماعي، بحسب ما جاء في المحضر، رفض الامتثال لطلب رئيسة المكتب بمغادرة القاعة، واستمر في جداله معها “بطريقة غير ملائمة”، في مشهد يعكس تجاهلاً واضحاً لسلطة رئيسة المكتب التي يخول لها القانون وحدها إدارة سير عملية التصويت واتخاذ القرار داخل فضاء المكتب، وبالتالي إرهاب الناخبين.
ولم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد، إذ يضيف المحضر في ملاحظاته الختامية واقعة أخرى لا تقل خطورة، حيث حاول رئيس الجماعة دفع امرأة مسنة إلى ترك التصويت لابنها بدل أن تمارس حقها بنفسها، رغم تأكيد رئيسة المكتب على أن المرأة قادرة على التصويت شخصياً، وأنها شرحت لها بكل بساطة الخطوات اللازمة لذلك علما أن إبنها لم يسبق له ان صوت. وفي مشهد يعمق حجم الخرق، أشار المحضر إلى أن رئيس الجماعة اصطحب معه هاتفه النقال داخل قاعة التصويت رغم منع ذلك صراحة، بل وصل به الأمر إلى تهديد رئيسة المكتب بوقف عملية الاقتراع وإغلاق المكتب، في تصرف يحمل طابع الضغط والترهيب أكثر مما يمت بصلة إلى أي اهتمام “تسهيلي” يمكن أن يتذرع به البعض.
هذه المعطيات، الموثقة بمحضر رسمي وليس بمجرد روايات متداولة، تضع السؤال المركزي على الطاولة : هل يملك رئيس جماعة، بصفته هاته، أي سند قانوني يخوله دخول مكتب التصويت أثناء سير العملية والتدخل في مجرياتها؟ الجواب، بناء على المنطق القانوني العام الذي يحكم العمليات الانتخابية في المغرب، هو النفي القاطع. فمكاتب التصويت تخضع لسلطة حصرية لرئيس المكتب ومساعديه وأعضائه، ولا يحق لأي شخص خارج هذه الهيئة، مهما كانت صفته أو موقعه الإداري أو السياسي، التدخل في تسيير العملية أو التأثير على اختيار الناخبين أو الضغط على القائمين عليها. وكون الشخص المتدخل هو نفسه رئيس الجماعة يزيد من خطورة الفعل، لا أن يبرره، لأن المسؤول المنتخب مطالب أكثر من غيره باحترام مبدأ الحياد وسيادة القانون، لا أن يتحول إلى طرف يفرض إرادته بالقوة والتهديد داخل فضاء يفترض أن يبقى بمنأى عن كل تأثير.
ما جرى في مكتب التصويت رقم 3 بجماعة سيدي بطاش لا يمكن اختزاله في حادثة معزولة أو “سوء تقدير” شخصي، بل هو تصرف يمس في العمق مبدأ نزاهة الانتخابات وحياد الإدارة، ويثير شكوكاً مشروعة حول احتمال توظيف النفوذ المحلي للتأثير على إرادة الناخبين في لحظة حساسة يفترض أن تبقى محصنة من كل تدخل. فحين يتحول مسؤول منتخب من حارس مفترض على شرعية العملية الانتخابية إلى طرف يخترق قواعدها ويهدد القائمين عليها، يصبح من حق الرأي العام، ومن واجب الجهات المعنية بالإشراف على الانتخابات، فتح تحقيق جدي في الوقائع الموثقة بالمحضر، ومساءلة المسؤول عما اقترفه، بدل أن يمر الأمر مرور الكرام في انتظار استحقاق آخر تتكرر فيه السيناريوهات ذاتها.

