
المصطفى الجوي – موطني نيوز
قبل الخوض في نتائج الانتخابات التي جرت أطوارها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، وقبل الاحتفاء بالفائزين أو البحث عن تبريرات للخاسرين، ينبغي التوقف عند سؤال أكثر إلحاحاً من أسماء الفائزين وعدد المقاعد: هل ما زال الصوت الانتخابي تعبيراً عن اقتناع سياسي، أم تحول إلى سلعة مؤقتة في سوق انتخابية مفتوحة؟
هذه ليست مرافعة ضد حزب بعينه، ولا حكماً نهائياً على جميع الناخبين والمرشحين، بل شهادة شخصية على ظاهرة باتت تلاحق مواسم الانتخابات في المغرب، وهي ظاهرة عاينتها بنفسي على مدى اثني عشر يوماً، ولا سيما في إقليم بنسليمان. وخلاصة ما عاينته أن كثيراً ممن ظفروا بمقاعدهم لم يصلوا إليها بالضرورة بفعل تعاطف الناخبين مع برامجهم أو اقتناعهم بكفاءتهم، وإنما بفضل الأموال التي أُنفقت في شراء الأصوات، وبفضل شبكات الوسطاء التي ازدهرت في الظل.
الأخطر في هذه الظاهرة أن المال الانتخابي لا يشتري ورقة الاقتراع فقط، بل يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة. ففي لحظة خاطفة، يتحول بعض الناس إلى سماسرة يتنقلون بين المرشحين بحثاً عن أعلى عرض، فيما يجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى تقديم أصواتهم ثمناً لحاجات يومية ضاغطة. ويتحول فريق ثالث إلى أدوات للتعبئة الفوضوية أو إلى ما يشبه البلطجة الانتخابية، بينما يظل المرشح محاطاً بشبكة من الوسطاء الذين يختزلون السياسة في العمولة والصفقة والولاء المؤقت.
وقد لا يتجاوز المقابل المالي مئة أو مئتي درهم، لكن أثره السياسي والاجتماعي يتجاوز قيمته بكثير. فالصوت الذي يباع بهذا الثمن لا يساوي، في الحساب الواقعي، سوى مبلغ زهيد لا يتعدة (0.10 درهم) في اليوم موزع على خمس سنوات من الولاية الانتخابية وبعبارة مؤلمة : “كيبيع راسو بجوج ريالات في النهار”. ومع ذلك، فإن تحميل المواطن وحده مسؤولية هذه الممارسة سيكون تبسيطاً مخلاً. فالناخب الذي يبيع صوته قد يكون فقيراً أو مهمشاً أو فاقداً للثقة في جدوى السياسة، أو واقعاً تحت ضغط حاجات لا تنتظر، وقد يكون ميسورا لكنه تعود مد يده للآخر. لكن تفهم الدوافع لا يعني تبرير السلوك؛ لأن المال الانتخابي يحول الحاجة المؤقتة إلى قيد طويل الأمد، ويمنح الشرعية لمن يملك القدرة على الإنفاق لا لمن يملك القدرة على التدبير و الإصلاح.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن المواطن قد يساوم المرشح على ثمن صوته، ثم يطالبه في الوقت نفسه بالماء الصالح للشرب، وبالطرق و المسالك، وبالخدمات الأساسية. وهذا المشهد الذي عاينته بنفسي يكشف تناقضاً عميقاً : مواطن يتنازل عن أداة محاسبته، ثم ينتظر ممن اشترى صوته أن ينصفه. كيف يمكن لمن باع قراره السياسي أن يطالب بعد ذلك بمسؤول منتخب مستقل؟ وكيف يمكن لمرشح دفع المال كي يصل إلى المؤسسة المنتخبة أن يشعر بأن عليه التزاماً أخلاقياً تجاه مواطن لم يختره على أساس برنامج؟
خلال الأيام التي سبقت الاقتراع، لم يكن السؤال الذي سمعته وعاينته هو : ما برنامج المرشح؟ وما حصيلته السابقة؟ وكيف سيواجه البطالة والعزلة وضعف الخدمات وتدهور البنية التحتية؟ كان السؤال في كثير من الحالات ينحصر في : كم سيدفع؟ ومن سيدفع أكثر؟ لدرجة أن كل الوراق التي تناثرت في الشوارع و الازقة لا تحمل برامج ولكنها تحمل صور المرشحين ورموزهم. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية. فالانتخابات التي يفترض أن تكون لحظة مساءلة جماعية تتحول إلى موسم للمساومة الفردية، ويصبح الناخب معنياً بمكسب عاجل، بينما يغيب المستقبل العام خلف ظرف مالي ضئيل.
ومن الطبيعي، في ظل هذه المعادلة، أن تعود الأحزاب نفسها أو الوجوه نفسها إلى الواجهة، حتى عندما تكون جزءاً من أسباب المعاناة التي يشتكي منها الناس. لكن تفسير ذلك بنسيان المواطن وحده لا يكفي. فالذاكرة الانتخابية لا تضعف في فراغ؛ إنها تضعف حين تغيب المعلومة، وتضيق البدائل، وتتراجع الثقة في المؤسسات، ويشعر المواطن بأن صوته لن يغير شيئاً. عندها يصبح مبلغ صغير جدا، مهما كان مهيناً، أكثر حضوراً من وعد بعيد لا يثق صاحبه في تحققه.
ومع ذلك، فإن اليأس لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء من المسؤولية. فالمواطن ليس مجرد ضحية، كما أن المرشح ليس مجرد فاعل منفرد. هناك منظومة كاملة تتغذى من الصمت، ومن التساهل مع شراء الأصوات، ومن ضعف التبليغ، ومن عجز الأحزاب عن تقديم نخب مقنعة، ومن تحويل الانتخابات إلى مناسبة موسمية بدلاً من جعلها مساراً مستمراً للتواصل والمحاسبة. لذلك فإن مواجهة الظاهرة لا تبدأ فقط يوم الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير : بتجفيف منابع المال غير المشروع، وتشديد الرقابة، وحماية المبلغين، وتعزيز التربية المدنية، وربط البرامج الانتخابية بآليات واضحة للتقييم والمساءلة، و الضرب بيد من حديد على كل من يساوم أو يبيع صوته، فيوم الاقتراع شاهدت مظاهر مرعبة نساء تتربص بالمرشحين وشباب على دراجات نارية يعترضون المرشحين و لو بالقوة لسان حالهم يقول “دبر علية”.
أما المرشحون، فقد كشفت هذه الانتخابات، كما عاينت بنفسي، عن مسارين متناقضين. هناك من جعل المال وسيلة للوصول، فكانت الأموال والبنون، بتعبير الآية الكريمة، زينة الحياة الدنيا بالنسبة إليه؛ وهناك من أنفق أموالاً طائلة ثم اكتشف أن المال قد يتحول إلى فتنة، وأن الوسطاء الذين يحيطون بالمشهد الانتخابي قد يبددون الملايين دون وفاء أو وازع. وفي الحالتين، لا تعود السياسة مجالاً للتنافس على خدمة الناس، بل تصبح اختباراً لقدرة المال على شراء الولاءات أو لقدرة الوسطاء على استنزافه والعبث بمستقبل البلاد.
ولعل العبرة الأهم لا تكمن في نجاح مرشح أو سقوط آخر، بل في أن الجميع يخسر حين يصبح شراء الأصوات أمراً عادياً وهو ما عاينته للأسف الشديد. يخسر الناخب كرامته وحقه في الاختيار الحر، ويخسر المرشح استقلاله منذ اللحظة التي يدفع فيها ثمن الوصول، وتخسر المؤسسات المنتخبة ثقة الناس، وتخسر الدولة جزءاً من معناها الأخلاقي حين يتعامل المواطن مع الانتخابات باعتبارها سوقاً لا فضاءً للمشاركة.
وأنا اليوم أعبّر عن اعتذاري الشخصي للدولة، حكومة وأمناً وسلطة محلية، بعدما كنت أحمّلها وحدها مسؤولية معاناة البلاد والعباد، مستحضراً قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. غير أن هذه الآية لا ينبغي أن تُستخدم لتحويل الدولة إلى متفرج، ولا المواطن إلى متهم وحيد. الإصلاح مسؤولية مشتركة، لكنه ليس مسؤولية متساوية دائماً؛ فالدولة تملك أدوات القانون والرقابة، والأحزاب تملك مسؤولية التأطير، والمرشحون يملكون قرار النزاهة، والناخبون يملكون في النهاية سلطة القبول أو الرفض وهو أمر مستحيل لأن نسبة جد عريضة من المصوتين فاسدين ومع ذلك يطالبون بالتغيير “فهم تصطى”.
إن أخطر ما في شراء الأصوات ليس مبلغ المئتي أو مائة درهم، بل الفكرة التي يرسخها : أن كرامة المواطن قابلة للتسعير وأن لكل مصوت ثمن، وأن الطريق إلى البرلمان يمر عبر الجيب لا عبر الثقة، وأن الفساد يمكن أن يكون عقداً متبادلاً بين من يشتري ومن يبيع. وإذا لم تتحول هذه الانتخابات إلى مناسبة لمراجعة عميقة، فستظل الدائرة مغلقة، مواطن يبيع صوته لأنه جاهل بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومرشح يشتريه لأنه فقد الشرعية، ودولة تدفع ثمن علاقة سياسية بدأت بصفقة وانتهت بخيبة.
المطلوب ليس جلد الفقراء ولا تبرئة الفاسدين، وليس الاكتفاء بالأسف بعد إعلان النتائج. المطلوب أن يُعاد للصوت الانتخابي معناه، وللمنافسة السياسية مضمونها، وللمحاسبة مكانها. فالمواطن الذي يطالب بالماء والطريق والخدمات لا يحتاج إلى من يشتري صوته، بل إلى منتخب يعرف أن شرعيته لا تُقاس بما أنفقه في الحملة، وإنما بما يقدمه بعد انتهائها. أما إذا بقي الصوت بضاعة، فستظل صناديق الاقتراع تعكس قوة المال أكثر مما تعكس إرادة الناس.