المغرب بين ضجيج الخصوم وصلابة الدولة

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

يبدو أن بعض خصوم المغرب لم يعودوا يملكون ما يكفي من الوقائع لمواجهة واقع المملكة، فقرروا اللجوء إلى ما هو أسهل : صناعة رواية، نفخها بالتأويلات، ثم تكرارها حتى يتخيل القارئ أنها أصبحت حقيقة.

هكذا تُصنع اليوم بعض القصص عن المغرب : أزمة في القصر، صراع بين مراكز النفوذ، ملك على وشك الغياب، دولة تتداعى من الداخل، وملكية تنتظر لحظة السقوط. عناوين ضخمة، وعبارات مثيرة، ومصادر مجهولة، ثم جرعة إضافية من “التسريبات” و”المطلعين” و”الروايات السرية”… وبعد ذلك يُطلب من القارئ أن يصدق أن كل هذا هو الحقيقة. لكن الحقيقة أكثر عناداً من العناوين.

فالتحقيق المنسوب إلى “The Economist” يستحق القراءة والنقاش، لا لأنه منزّه عن الخطأ، وإنما لأنه مادة صحفية ينبغي تفكيكها لا تقديسها. والمفارقة أن المجلة نفسها، عندما وصلت إلى أخطر الروايات المتعلقة بأجهزة الاستخبارات وما يسمى “السفير” و”المكتب 21″، أقرت بأن الادعاءات يصعب التحقق منها “The claims are hard to verify.”

فكيف تتحول رواية تقول المجلة نفسها إنه يصعب التحقق منها إلى “حقيقة مؤكدة” في بعض العناوين العربية؟

كيف يصبح “مصدر مجهول” وثيقة؟

وكيف يتحول التحليل السياسي إلى نبوءة؟

وكيف تصبح أمنية خصوم المغرب بسقوطه خبراً عاجلاً؟

هنا تحديداً تبدأ المشكلة.

لا أحد يقول إن المغرب فوق النقد، ولا ينبغي أن يكون. بل إن الصحافة الجادة مطالبة بطرح الأسئلة الصعبة حول أداء المؤسسات والسياسات العمومية والاقتصاد والحريات والعدالة الاجتماعية. لكن النقد شيء، وصناعة واقع بديل شيء آخر.

أن تقول إن هناك تحديات اقتصادية أو اجتماعية فهذا نقاش مشروع.

أن تقول إن هناك تنافساً بين مراكز نفوذ فهذا ادعاء يحتاج إلى مصادر.

أما أن تقفز من ذلك كله إلى أن “القصر ينهار” وأن “الجمهورية وشيكة”، فأنت لم تعد تنقل خبراً؛ أنت تصنع سيناريو سياسياً. أو ربما مسؤولي هذه الصحيفة مدمنون على المخدرات.

وهنا يظهر الوجه الآخر للقصة : لماذا هذا الهوس تحديداً بالمؤسسة الملكية و المملكة المغربية؟

لأن الملكية في المغرب ليست تفصيلاً هامشياً يمكن عزله عن الدولة. إنها مركز أساسي في بنية النظام السياسي والدستوري، وتضطلع بدور محوري في ملفات السيادة والدفاع والأمن والسياسة الخارجية. ومن يريد أن يفهم استقرار المغرب لا يستطيع أن يتجاهل الدور الذي لعبته المؤسسة الملكية في ضمان استمرارية الدولة وتدبير التحولات والأزمات الكبرى لقرون.

يمكن أن تختلف مع الملكية أو تؤيدها، ويمكن أن تطالب بإصلاحات دستورية أو سياسية، لكن تحويل الرغبة السياسية إلى “حقيقة” صحفية يحتاج إلى أكثر من الأمنيات.

والمغرب، لمن يريد أن يراه كما هو لا كما يتمنى أن يكون، لم يتوقف عن الحركة.

الدولة تواصل بناء بنيتها التحتية، وتوسيع شراكاتها الدولية، وتعزيز موقعها الاقتصادي والاستراتيجي، والتحرك في ملفات إقليمية ودولية بالغة الحساسية. وقد لا يتفق الجميع مع اختياراتها، وهذا طبيعي، لكن الاختلاف مع السياسة لا يعني انهيار الدولة.

أما الجزائر المارقة و الراعية للإرهاب، فهي حاضرة في هذا المشهد بحكم طبيعة الصراع الاستراتيجي المفتوح بين الرباط والجزائر. ومن السذاجة السياسية تجاهل الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي ترافق هذا الصراع.

لكن حتى هنا ينبغي أن يكون الكلام مسؤولاً : فكل مقال معادٍ للمغرب صُنع في الجزائر، وكل رواية سلبية دليلاً على تمويل جزائري.

أما ما يمكن قوله بثقة أكبر فهو أن الصراع المغربي الجزائري لم يعد محصوراً في البيانات الرسمية والمواقف الدبلوماسية، بل امتد إلى المجال الإعلامي والرقمي وإنتاج السرديات المتنافسة حول المنطقة.

وهنا تصبح الأموال والموارد جزءاً من المعركة، كما هو الحال في كثير من الصراعات الجيوسياسية. لكن قوة الرد المغربي لا ينبغي أن تقوم على اتهامات بلا أدلة، بل على كشف الوقائع ووضع الروايات في سياقها ومساءلة مصادرها.

ولعل أكثر ما يكشف طبيعة اللحظة الحالية هو التوقيت.

فبعد الإعلان عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المملكة المغربية و دولة إسرائيل إلى مستوى السفارات وتعيين السفراء، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة. وهذا تطور دبلوماسي كبير، ومن الطبيعي أن تكون له تداعيات إقليمية، وأن يثير اعتراضات من قوى وأطراف مختلفة.

لكن هناك فرقاً بين معارضة هذا القرار وبين اختراع قصة عن انهيار المغرب بسببه.

قد يرفض شخص العلاقة مع دولة إسرائيل، وقد يؤيدها آخر، وقد يرى ثالث أنها تخدم مصالح مغربية، وقد يعتبرها رابع قراراً خاطئاً. كل هذه مواقف سياسية مشروعة للنقاش.

أما أن يتحول الخلاف حول السياسة الخارجية إلى محاولة لتصوير المغرب كدولة على وشك السقوط، فذلك شيء آخر.

ومن الصعب ألا يلفت الانتباه أن كل تحول استراتيجي كبير يحققه المغرب يصاحبه في بعض المنابر ارتفاع مماثل في منسوب الحديث عن “أزمة داخلية و”صراع في القصر” و”نهاية وشيكة للملكية”.

عندما تتحرك الدبلوماسية المغربية، تتحرك معها ماكينة التشكيك.

عندما تتوسع الشراكات المغربية، تظهر روايات الانهيار.

وعندما يحقق المغرب اختراقاً سياسياً، تبدأ فجأة قصص “التصدعات السرية”.

هذه ليست قاعدة لإثبات مصدر كل مادة، لكنها تكفي لطرح سؤال مشروع حول توقيت الحملات وطبيعة السرديات التي تنتجها.

والأغرب أن بعض من يتعاملون مع هذه الروايات كما لو أنها وثائق سرية لا يسألون أبداً عن أبسط قواعد الصحافة : من هو المصدر؟ ما الدليل؟ هل توجد وثيقة؟ هل توجد جهة مستقلة تؤكد الرواية؟ هل رد الطرف المعني؟ وهل يمكن التحقق من المعلومة؟

إن الصحافة لا تصبح أكثر صدقية لأنها تتحدث عن “أسرار”. بل تصبح أكثر صدقية عندما تستطيع إثبات ما تقول. وهذا هو الفارق بين التحقيق الصحفي الحقيقي وبين الدعاية السياسية التي ترتدي بدلة الصحافة.

أما الملكية المغربية، فإن من يريد أن يناقش مستقبلها عليه أن يناقشها انطلاقاً من الوقائع لا من الأحلام.

فالمؤسسة الملكية لم تظهر أمس، ولم تصبح فجأة عاملاً في استقرار المغرب. لقد ظلت طوال عقود جزءاً مركزياً من بنية الدولة، وأدارت انتقالات سياسية واقتصادية وأمنية ودبلوماسية عديدة، واستمرت الدولة في العمل عبر أزمات داخلية وإقليمية ودولية متعاقبة.

قد تكون هناك أخطاء. قد تكون هناك اختلالات. قد تكون هناك ملفات تحتاج إلى إصلاح. لكن وجود المشاكل لا يعني انهيار النظام، كما أن انتقاد الدولة لا يعني سقوطها. وهذه قاعدة بسيطة يبدو أن بعض خصوم المغرب نسوها عمداً.

إن أكبر مشكلة تواجه الرواية التي تتحدث عن “انهيار المغرب” هي أن الواقع لا يتعاون معها. فالدولة التي يُعلن سقوطها مراراً لا تزال قائمة. والملكية التي يحدد البعض مواعيد نهايتها لا تزال في قلب النظام السياسي. والدبلوماسية التي يقال إنها تعيش عزلة تواصل عقد الشراكات والتحالفات.

والمغرب الذي يُصوَّر كبلد فقد كل أوراقه يواصل الدفاع عن مصالحه في محيط إقليمي شديد التعقيد. لهذا ربما لم يعد السؤال الحقيقي : هل المغرب على وشك الانهيار؟

السؤال الأكثر جدية هو : لماذا يحتاج بعض خصومه وعلى رأسهم جار السوء إلى هذه الرواية بهذا الإصرار؟

ومن يدفع ثمن إنتاجها وترويجها؟ ومن يستفيد عندما يصبح التشكيك في استقرار الدولة خبراً يومياً؟

إننا لا نملك حقاً أن نوجه إصبع الاتهام إلى جهة محددة دون دليل. لكننا نملك الحق الكامل في مساءلة الروايات، ومقارنة التوقيت بالمصالح، ومطالبة كل من يدعي امتلاك “أسرار المغرب” بأن يقدم أدلته. فالمغرب لا يحتاج إلى أسطورة مضادة لمواجهة أسطورة خصومه.

يحتاج فقط إلى الحقيقة. والحقيقة أن الدولة المغربية يمكن أن تُنتقد، ويمكن أن تُحاسب مؤسساتها، ويمكن أن تختلف معها، لكن لا يمكن إسقاطها بالحبر، ولا بإعادة تدوير الشائعات، ولا بتحويل أمنيات الخصوم إلى عناوين صحفية، ولا حتى بأموال الغاز.

لقد انتهى زمن كان فيه القارئ يصدق كل ما يكتب لأنه ظهر في صحيفة أجنبية. اليوم أصبح السؤال أكثر بساطة وأكثر قسوة : أين الدليل؟

وإذا لم يكن هناك دليل، فكل ما تبقى هو ضجيج. والضجيج، مهما كان مرتفعاً، لا يهدم دولة..يا متعلمين يا بتاع المدارس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!