هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا…

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يؤمن أغلب المسلمين بأن النبي أُمّي، بمعنى أنه لا يقرأ ولا يكتب، ويقولون إن القرآن كُتِب بواسطة كتبة الوحي، كما هو متعارف عليه تراثيًّا. والبعض الآخر يؤمن بأن النبي يقرأ ويكتب، وأنه هو الذي كتب القرآن بنفسه، وهذا تمامًا ما قاله الدكتور محمد الفايد وكثير من العلماء.
قبل مناقشة هذا الموضوع، يا أصدقائي الكرام، هناك سؤال: هل من الإيمان أن يعلم المسلم مَن الذي كتب القرآن؟ بمعنى أوضح: هل معرفة مَن كتب القرآن هي الحائل بين دخول الجنة أو النار؟ وهل إننا سنُسأل عن هذا الموضوع يوم القيامة؟
الجواب : لا. ليس من شرط الإيمان أو شروط المساءلة أمام الله أن نعلم يقينًا مَن الذي كتب القرآن، ولن نُحاسَب على ذلك؛ لكنه استنباط واجتهاد بشري قابل للأخذ والرد، وهذه الاجتهادات قامت على بعض الآيات القرآنية.
يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الثانية من سورة البيّنة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. والذي يتلو من الصحف قطعًا يحسن القراءة، ونستطيع أن نستنبط من هذه الآية أن الذي كتب القرآن هو النبي صلى الله عليه وسلم. قد يكون كتبه بشكل كامل أو جزءًا منه، لكن كُتِب القرآن كاملًا تحت إشرافه؛ فلا يجعل الله كتابه الكريم مبعثرًا، ومن ثم يأتي بشر ليكتبوه بعد وفاة نبيهم.
فالقرآن كُتِب في حياة النبي، وهذا تحقيقًا لقوله تعالى في الآيتين السادسة عشرة والسابعة عشرة من سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فكتاب الله محفوظ بأمره سبحانه وتعالى.
لكن ما معنى قوله تعالى في الآية الثامنة والخمسين بعد المئة من سورة الأعراف: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ؟ ما معنى “الأُمّي؟”
الأُمّي، يا أصدقائي الكرام، هو من الأُمّيين الذين لم تنزل عليهم رسالة من الله. يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الخامسة والسبعين من سورة آل عمران: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
فالأُمّيون كناية أطلقها أهل الكتاب على العرب، وليس معنى ذلك أنهم لا يعلمون القراءة والكتابة. فقريش، تاريخيًّا وقرآنيًّا، كانوا دهاة العرب، ومستوطني المدن، وأهل تجارة، ولهم باع طويل فيها، وارتبطوا بدول أخرى، وكانوا يركبون البحر، وأهل حساب وشِعر وفَلَك. فكلمة “أُمّيينط لا تعني أُمّيين في القراءة والكتابة.
وهناك الآية الثامنة والأربعون من سورة العنكبوت، تقول: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي أنه لم يكن يقرأ كتابًا من قبل ولا يكتب بيده، وهذه الآية تُفهم تقليديًا كتأكيد على عدم معرفته بالقراءة والكتابة قبل الوحي، لا العكس.
وإذا تدبرنا هذه الآية من خلال السياق، فالآيات التي قبلها تتحدث عن كتاب الله. لنقرأ الآيات بهدوء. قال تعالى في سورة العنكبوت، الآيات 45–47: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ۝ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ۝ وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ. ثم قال : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ.
فالآيات تتحدث عن الكتاب، وتخبرنا أن النبي لم يكن يكتب شيئًا من الوحي القرآني قبل نزوله عليه، ولا يخطّه بيمينه، ولا تقول الآية إن النبي الكريم لا يحسن الكتابة. ثم كيف يكون لا يقرأ ولا يكتب، والله يقول له: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ؟ و”تتلو” لغةً : قراءة المكتوب، أي تقرأ المكتوب، و”تخطّ بيمينك” أي تكتب بيدك. فمعنى هذا أنك، يا رسول الله، لم تكن تتلو أو تكتب بيدك أيَّ كتابٍ منزَّلٍ من قبل، وبالضرورة تكون قادرًا على ذلك من بعد.
و أريد أن أضم صوتي إلى صوت الدكتور محمد الفايد، وأسأل من يقول إن النبي لا يقرأ ولا يكتب، ويفتخرون أو يتفاخرون بهذا ويعتبرونه مصدر فخر، كما يتفاخرون به عندما تزوّج من طفلة عمرها ست سنوات، وضاجع نساءه التسع في ليلة واحدة وبغُسل واحد، وأنه قال : “جئتكم بالذبح عندما تعرض له أشراف قريش بالسخرية و الإيداء ثلاثة مرات عند حجر إسماعيل بجانب الكعبة. فكل هذه الأشياء، للأسف، يتفاخرون بها. طبعًا، هذه افتراءات على النبي الكريم.
أريد أن أسألهم ولو أنني متأكد أننهم سيرموني بالباطل ويتهموني بالإلحاد كما فعلوا مع الدكتور الفايد، لأن هذه هي لغتهم و أسلوبهم : لماذا يرسل الله إنسانًا لا يقرأ ولا يكتب؟ هل يعني ذلك قلة المتعلمين في العصر الجاهلي، قبل نزول الوحي، مثلًا، حتى يرسل شخصًا أُمّيًّا بمفهومهم للأمية؟ فقريش فيها الكثير من النوابغ في اللغة، والذين أخلاقهم حسنة، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فلماذا يترك من لديه العلم والفصاحة والمعرفة والخلق الحسن، ويختار إنسانًا لا يقرأ ولا يكتب، ويجعل من رسالته مادة للسخرية أما أعداء الإسلام من اليهود و المسيحيين و حتى قريش أنفسهم، بأن رسول هذه الرسالة أُمّي وغير متعلم؟ فكيف ستكون رسالته، وكيف ستكون أمته؟ ولتأكيد الكلام وبأن المقصود من “الأمي” ليس الذي لا قرأ و لا يكتب، قال الله تعلى في الآية الثانية من سورة الجمعة : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). هذه الآية لها دلالات مهمة تختلف كثيرا عن ما يفهمونه البعض و الذي ناقشناه سابقًا حول وصف النبي شخصيًا بـ”الأمي”. هنا الكلمة وردت بصيغة الجمع “الأميين” أي أمة محمد صل الله عليه وسلم. وليس وصفًا شخصيًا للنبي كما في آيتي الأعراف (157-158). والمقصود بها في تفسير جمهور المفسرين (كالطبري وابن كثير والقرطبي) هم العرب الذين لم يكن لديهم كتاب سماوي منزل من قبل، بخلاف أهل الكتاب (اليهود والنصارى). فـ”الأمي” هنا بمعنى “من لم يُنزَّل عليه كتاب من قبل” أو “من ليس من أهل الكتاب”، وليس بالضرورة وصفًا لمن لا يقرأ ولا يكتب. هذا استخدام مختلف كثيرا عن وصف النبي شخصيًا. 
هذا هو ما أردت أن أشارككم اليوم، ودمتم بودّ. والسلام عليكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!