أثر من الحاج علي صابر..نبض رجل شجاع

سيرة الحاج علي صابر
سيرة الحاج علي صابر

بقلم د . عافية صابر – موطني نيوز

سيرة “الحاج علي صابر” من صخب الحياة إلى صمت الختام

رواية واقعية نبتت تفاصيلها من قلب الأحداث المؤثرة، نتتبع فيها محطات حقيقية من حياة “الحاج علي صابر”، التي عاشها بكل صخبها وتقلباتها. نبدأ القصة من خطواته الأولى وهو في سن الخامسة، ونرافق رحلته الممتدة عبر عقود طويلة، حتى توفي وهو يقترب من سن التسعين. وسنستكمل معًا بقية الأجزاء والفصول، بدءًا بالجزء الأول الذي نكشف عنه هنا.

تابعوا معنا الأجزاء القادمة لنكتشف كيف أثرت السنون في مسار هذه السيرة الاستثنائية، وكيف صنعت من طفل صغير أنهكته قسوة الحياة رجلًا حمل فوق كتفيه أثقال السنين، وظل واقفًا رغم كل ما انكسر من حوله.

اليتم المبكر…حين مات الأب وبقي الطفل في مواجهة الحياة

لم يكد علي يستوعب معنى الحياة، حتى فجعته الأيام بوفاة والده، وهو لم يتجاوز عامه الثاني ليرث، وهو ابن خمس سنوات، شقاء الكبار، ويجد نفسه يتيمًا أعمى الحظ، أمام أم أرملة يكسر الظهرَ حزنُها وفقرُها.

كانت الأربعينيات في المغرب سنواتٍ جمرية غائرة في الذاكرة، تُعرف بـ”عام الجوع”؛ حيث امتنعت السماء عن المطر، وتشققَت الأرض، وأخرجت ألسنة عطشها، وغاب القمح حتى صار الحلم برغيف خبز أمنية تُستجدى.

تبدأ حكاية الحاج “علي صابر” من أرض لا ترحم الصغار، ومن سنوات كان الرغيف فيها عزيز المنال.

أولاد بوزيري…أرض الطفولة القاسية

لم يكن قد اشتد عود الطفل “علي” بعد، حين وجد نفسه راعيًا لغنم الناس في بادية “أولاد بوزيري”؛ هناك، حيث كانت “الكوشينة” الماطرة أنيسه الوحيد مع الظلام، وسخام الكانون التعس يكتب على جدرانها الطينية أول صفحات الشقاء.

وكانت “أولاد بوزيري” آنذاك فضاءً ريفيًا مفتوحًا، تتداخل فيه السهول مع المنحدرات والهضاب الصغيرة، وتمتد فيه مسالك ترابية غير معبدة بين المداشر والمراعي. وكانت الأرض من تربة “التيرس” الداكنة، الثقيلة والغنية، تميل في لونها إلى السواد أو البني الغامق؛ فإذا نزل المطر لان وجهها، وامتصت الأرض الماء في هدوء، وتحولت إلى تربة طرية رطبة تفوح منها رائحة الأرض بعد الغيث. كانت الأقدام تغوص فيها قليلًا حين تبتل، وتلتصق بها حبات الطين، بينما تنبت فوقها الأعشاب والحشائش التي تنتظرها الماشية بشوق.

أما حين ينحبس المطر، فكانت “التيرس” تكشف وجهًا آخر؛ تجف وتتماسك، ثم تتشقق تحت حرارة الشمس، فتظهر على سطحها شقوق دقيقة تتسع مع اشتداد العطش، وكأن الأرض نفسها كانت تشكو قسوة السماء. وبين اللون الداكن للتربة وخضرة المراعي في موسم الخير، واللون الترابي الشاحب في سنوات القحط، كانت تضاريس أولاد بوزيري ترسم ملامح حياة أهلها: أرض كريمة حين تجود السماء، وقاسية حين تحبس ماءها.

وكانت التضاريس تتغير من موضع إلى آخر؛ أراضٍ منبسطة تصلح للرعي حين يجيء العشب، وأجزاء مرتفعة تتناثر فوقها الصخور والحصى، وشعاب ومنخفضات تتجمع فيها مياه الأمطار القليلة عندما تجود السماء. وكانت الأشجار والنباتات البرية تظهر متفرقة، لا في كثافة الغابات، بل كجزر صغيرة من الظل وسط فضاء شاسع، يتقدم فيه الراعي خلف قطيعه ويعرف الأرض كما يعرف خطوط كفه.

وفي الصباحات الباردة، كان الضباب يهبط أحيانًا على المنخفضات، فيخفي أطراف المراعي والمسالك، بينما تبدو المرتفعات من بعيد ككتل رمادية ساكنة. وحين تشتد الرياح، كانت تعبر الفضاءات المفتوحة دون حواجز، تحمل معها الغبار في الصيف والبرد القارس في الشتاء، وتصفّر بين جدران المآوي الطينية وأغصان الأشجار اليابسة.

كانت المسافات في تلك البادية تبدو أطول مما هي عليه، لأن الطفل لم يكن يقطعها على طريق واضح، بل عبر مسالك الرعاة، متتبعًا آثار الماشية، صاعدًا تارةً إلى المرتفعات، ونازلًا تارةً إلى الشعاب والمنخفضات، يلاحق شاة شردت عن القطيع أو يبحث عن بقعة بقي فيها شيء من العشب.

ولم تكن أولاد بوزيري مجرد اسم لمكان في ذاكرة علي؛ كانت تضاريسها جزءًا من طفولته نفسها. حفظ حجارتها، وأشواكها، ومنحدراتها، ومجاري مياهها، ومواطن العشب القليل فيها، كما حفظ وجوه الناس الذين مر بهم. كانت الأرض قاسية، لكنها كانت مدرسته الأولى؛ فيها تعلم المشي لمسافات طويلة، وتحمل العطش والجوع والبرد، وفيها عرف أن الطريق لا ينتهي لأن القدمين تؤلمان صاحبهما، وأن الراعي لا يستطيع أن يستسلم ما دامت الغنم أمامه والأمانة في عنقه.

وفي تلك المساحات المفتوحة، كان الطفل علي يبدو صغيرًا جدًا أمام اتساع المكان. عصاه في يده، والقطيع من حوله، والسماء فوق رأسه، وأفق بعيد لا يعرف إلى أين ينتهي. وبين ذلك كله كان يحمل داخله عالمًا آخر: صورة أمه، ووجوه إخوته، وخوفه الدائم من أن يعود خالي اليدين.

في تلك العزلة المثقوبة بالبرد والقسوة، وبين جدران مهجورة لا تملك من الدفء سوى رماد خبا، لم يكن الطفل «علي» يسرح بالماشية فحسب، بل كان يسرح بأحلامه بعيدًا… هناك ولدت بطولة الحاج «علي صابر»، لا في المعارك الصاخبة، بل في صبره الصامت على مرارة العوز وغربة الخدمة.

البداية الصعبة : سن الخامسة

لم يجد علي نصيبًا من طفولة؛ إذ أُلقي به في مراعي “أولاد بوزيري”، وهو لا يكاد يبين الكلام. تمسك بعصا أطول منه قامة، وساق بضع شياه وخراف عجاف، لا لشيء إلا ليحصل في نهاية الشهر على كفّ من خشاش الأرض أو القليل من الشعير، ليطعم أمه المكسورة وإخوته الخمسة.

وكان لعلي خمسة إخوة؛ اثنان أكبر منه، وثلاثة أصغر منه. وكان من بين إخوته الذكور أخ أكبر منه وأخ أصغر منه، أما أخواته فكن أختًا كبرى وأختًا تصغره. وهكذا وجد علي نفسه في وسط أسرة كبيرة، يحمل همّ أمه وإخوته، ويشعر منذ طفولته بأن عليه أن يكون سندًا لهم، رغم أنه لم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره.

كان طفلًا في عمر لا يفترض فيه أن يحمل مسؤولية نفسه، فضلًا عن أن يحمل مسؤولية أم وإخوة. كان يفترض أن يلعب، أن يركض خلف أقرانه، أن ينام في حضن أمه مطمئنًا إلى الغد، لكنه وجد نفسه بدل ذلك يواجه حياة لا تعرف الرحمة، ويخرج كل صباح إلى المرعى، يحمل عصاه الصغيرة، بينما يحمل قلبه همًّا أكبر من سنه بكثير.

كان يعلم أن وراءه أمًا تنتظر، وأن في البيت أفواهًا جائعة، وأن عودته في نهاية اليوم ليست مجرد عودة راعٍ أنهكه التعب، وإنما عودة طفل يحمل معه ما قد يسد رمق أسرته، ولو كان شيئًا قليلًا.

التنقل بين العائلات

مع اشتداد الجفاف وتراجع أعداد الماشية، لم تعد عائلة واحدة قادرة على إطعامه مقابل عمله. انتقل علي من بيت إلى بيت، ومن عائلة إلى أخرى؛ يُقال له في كل بيت : “ارعَ غنمنا ولك نصيب من قوتنا”.

كان يبيت في المطارح الباردة، ويلتحف السماء العارية، مقاومًا الهوان بقوة طفل يدرك أن أمه تنتظر عند غروب الشمس.

لم يكن التنقل بين العائلات أمرًا عابرًا في حياة علي، بل كان جزءًا من يومياته القاسية. كل بيت جديد يعني مكانًا جديدًا، ووجوهًا جديدة، وظروفًا جديدة، لكنه كان يحمل معه الشيء نفسه دائمًا: خوفه على أمه، وحاجته إلى أن يعود إليها بما يستطيع أن يوفره من قوت.

كان يغادر، وهو لا يعرف إلى أي بيت سيأخذه الطريق، ولا أين سينام، ولا ماذا سيأكل، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أن عليه أن يعمل.

الكوشينة…مأوى الشقاء

وبعد أسبوع من الغياب والمبيت فيما كانت تُسمى بـ”الكوشينة” البائسة، والتي كانت تقع في مأوى رعي الغنم عند ناس إقليم “أولاد بوزيري”، حيث كان علي يكابد مرارة الغربة وقسوة العمل كراعٍ عند الناس، كانت تفاصيل المكان وحدها كافية لتخبر قصة الشقاء.

لم تكن تلك “الكوشينة” في بادية “أولاد بوزيري” سوى ركن مهجور شُيّد ليكون مطبخًا لمأوى الرعاة، كوخًا متداعيًا، جدرانه من الطين النيئ والسخام الكثيف الذي طبع على حوائطه سوادًا يختصر سنين العوز.

هناك، بين غربة العمل وقسوة الرعي عند الناس، كان يقضي أوقاته الأولى بين جدرانها الضيقة التي تفوح منها رائحة الدخان وحظائر الغنم المجاورة.

كان سقفها المائل من القش وأغصان الدوم أضعف من أن يحجب زمهرير الشتاء أو قطرات المطر، فتتحول أرضيتها الترابية إلى وحل لزج.

وفي منتصف هذا الخراب، يقبع “الكانون” على الأرض؛ ثلاثة أحجار سوداء تلتف حول رماد خبا، يجمع علي لإشعاله بعض الشوك والخشب الجاف من المرعى بعد يوم شاق في تتبع الماشية، لينعم ببعض الدفء، ولتجفيف عباءته الممزقة المبلولة.

كان يجلس قريبًا من النار، يمد يديه الصغيرتين نحو دفئها، ويحاول أن يستعيد شيئًا من الإحساس بأصابعه التي أنهكها البرد. لم تكن النار تملك القدرة على تدفئة المكان كله، لكنها كانت بالنسبة إليه ملاذًا صغيرًا من قسوة الليل.

أما أدواتها، فكانت مجرد أوانٍ معدودة ومتهالكة أكل الدهر عليها وشرب؛ طاجين طيني متشقق، وبرمة فخارية اسودّت حتى غدت كالفحم، وجرة ماء “قُلّة” يرشح منها الماء البارد على الأرضية العارية.

لم تكن في تلك الكوشينة أدنى علامات الرحمة، بل كانت تجسيدًا عاريًا لحياة الرعي الشاقة، والشقاء الذي تحمّله علي بجلد وصبر، ليوفر قوته ويكتب بيده أولى صفحات بطولته الصامتة.

لم يكن هناك ما يضمن له وجبة كاملة، ولا فراش دافئ، ولا ثوب جاف، ولا حتى قطرة زيت أو حفنة طحين.

كان كل شيء شحيحًا، حتى الدفء.

وكان على طفل صغير أن يتعلم كيف يعيش في مكان لا يكاد يصلح للعيش.

مرارة “عام الجوع” والجفاف

ساد الشح، واختفت المحاصيل، وصار الناس يسيرون كالأشباح في المداشر. أكل الناس في تلك السنوات العجاف جذور النباتات وحشائش الأرض، وكان علي، في رعيه، يبحث عن العشب ليطعمه للشياه، فإذا لم يجد، اقتسم هو والغنم أوراق الشجر اليابسة.

كانت صور المعاناة أليمة؛ طفل صغير بأسمال بالية، قدمه حافية تطأ الشوك والحصى الملتهب، تنهمر دموعه صامتة وهو يرى أمه تذوب هزالًا، فيقطع شظايا السدر، ويجمع حبات بلحه اليابس، لعلها تسد رمقها.

لم يكن الجوع بالنسبة إلى علي مجرد إحساس عابر يأتي ثم يرحل، بل كان رفيقًا دائمًا، يرافقه في طريقه إلى المرعى، ويجلس معه في “الكوشينة”، ويعود معه إلى البيت في كل مرة.

وكانت صورة أمه المكسورة من الحزن والفقر لا تفارقه.

كلما اشتد عليه التعب، وكلما لسع البرد جسده الصغير، وكلما وجد نفسه وحيدًا بين الغنم والظلام، كان يتذكرها.

كان يعرف أن أمه لا تنتظر منه الكثير؛ ربما حفنة من الشعير، أو قليلًا من الطعام، أو شيئًا يسد جوع إخوته الخمسة. وكان ذلك وحده كافيًا ليجعله يتحمل أكثر.

ورغم جفاف الأرض، وقسوة البشر، والتنقل المتكرر بين بيوت الأقارب والغرباء، ظل قلب علي ينبض بالوفاء لأمه.

كان صموده الصغير وسط مأساة “أولاد بوزيري” حكاية عن صلب العود المغربي الذي نبت من رحم الفقر والجوع.

فكبر علي قبل الأوان، وتحمل مرارة الأربعينيات، ليشتري حياة أسرته بقطرات عرقه وصبره الأسطوري.

لم يكن يعرف يومها أن تلك السنوات القاسية ستبقى محفورة في ذاكرته إلى آخر العمر، وأن الطفل الذي كان ينام في الكوشينة البائسة، ويلتحف سقفًا من القش وأغصان الدوم، ويقتسم أوراق الشجر مع الغنم، سيكبر يومًا، وستصبح له حكاية طويلة، تمتد من ذلك المرعى الفقير إلى نهاية حياة قاربت التسعين عامًا.

لكن تلك كانت البداية فقط…

بداية رجل لم تمنحه الحياة طفولة، لكنها منحته شيئًا آخر : قوة لا تُرى، وصبرًا لا ينفد، وقلبًا ظل يحمل أثر تلك الأيام حتى آخر نبضة.

أول الطريق إلى المجهول

مرت الأيام بطيئة، لكنها لم تكن متشابهة. كان كل صباح يحمل معه امتحانًا جديدًا، وكل مساء يترك في جسد علي الصغير تعبًا لا يشبه تعب الأطفال. ومع ذلك، كان يستيقظ قبل أن تشرق الشمس، يلف عباءته حول كتفيه، ويتفقد الغنم واحدة واحدة، ثم ينطلق بها نحو المراعي البعيدة.

كان يعرف أن بعض الشياه قد تضيع، وأن ضياع واحدة منها قد يكلّفه توبيخًا قاسيًا أو خصمًا من قوته، لذلك كان يراقبها بعينين لا تعرفان النوم. يركض خلف الصغيرة إذا ابتعدت، ويبحث طويلًا عن التائهة بين الشعاب، ويعود أحيانًا وقد خدشت الأشواك ساقيه ويديه.

لم يكن أحد يسأله إن كان متعبًا، أو جائعًا، أو يشعر بالبرد. كان المطلوب منه أن يؤدي عمله، وأن يحافظ على الماشية، وأن يظل صامتًا.

وفي إحدى الليالي، هبت ريح قوية على الكوشينة، فاهتز سقفها القشي، وتساقطت منه أغصان يابسة، بينما كان المطر يضرب الجدران الطينية بعنف. حاول علي أن يسد الفتحات بقطع من الخيش، وجمع ما بقي من الحطب تحت عباءته حتى لا تبتل كلها.

جلس قرب الكانون، لكنه لم يجد ما يكفي لإشعال النار. ظل ينفخ في الرماد طويلًا، حتى احمرت جمرة صغيرة، فضمها بين يديه كأنها كنز ثمين. أشعل بها بعض الشوك، وراح يراقب اللهب الضعيف وهو يكبر ببطء.

في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في نفسه وحدها. كان يتخيل أمه في البيت، وإخوته ملتفين حولها، ينتظرون عودته. تخيل وجهها وهي تسأله عما أحضر، وتخيل الصغار وهم يقتسمون القليل الذي يحمله.

فشد عباءته حول جسده، وقال في سره : “سأعود إليهم، مهما طال الطريق”.

كانت تلك الجملة البسيطة أول عهد قطعه علي على نفسه. لم يكن يعرف كيف سيفي به، ولا كم من السنوات ستحتاجها الرحلة، لكنه كان يشعر أن عليه أن يبقى واقفًا، لأن سقوطه يعني أن يسقط معه بيت كامل.

حين بدأ الطفل يفهم معنى الرجولة

لم يكن علي يعرف معنى الرجولة كما يعرفها الكبار، لكنه كان يعيشها كل يوم. كانت الرجولة عنده أن يصبر حين يجوع، وأن يكتم بكاءه حين يتألم، وأن يواصل السير حين تتورم قدماه، وأن يعود إلى أمه بما استطاع، ولو كان قليلًا.

وكانت الرجولة أيضًا أن يحفظ الأمانة. فالغنم التي يرعاها ليست ملكه، لكنه كان يتعامل معها كأنها مسؤوليته وحده. يعرف كل شاة بلونها وصوتها، ويميز الصغيرة المريضة من السليمة، ويعرف أيها تحتاج إلى الماء وأيها تبحث عن ظل.

ومع مرور الوقت، بدأ أصحاب الماشية يلاحظون دقته وصبره. لم يعد ذلك الطفل الغريب الذي يأتي من بيت إلى بيت، بل صار راعيًا يعتمدون عليه، رغم صغر سنه.

كان بعضهم يمنحه كسرة خبز إضافية، أو قليلًا من اللبن، أو قطعة قماش يلف بها قدميه. وكانت تلك الأشياء البسيطة تعني له الكثير، لأنه كان يعرف أنها قد تصل إلى أمه وإخوته.

لكن الطريق لم يكن يفتح أبوابه بسهولة. فكلما ظن أن أيامه ستستقر، جاء الجفاف ليبدد ما بقي من الأمل، أو مرضت إحدى الشياه، أو اضطر إلى الانتقال من جديد إلى مكان أبعد.

وهكذا ظل علي يتنقل، يحمل عصاه، ويجر خلفه سنوات طفولة لم يعشها، حتى بدأ جسده الصغير يشتد، وبدأت ملامح الرجل تظهر في وجه لم يعرف الراحة.

عودة قصيرة إلى البيت

بعد أسابيع طويلة من الغياب، عاد علي ذات مساء إلى بيت أمه. كان يحمل على كتفه كيسًا صغيرًا فيه قليل من الشعير، وبعض التمر اليابس، وقطعة خبز قاسية احتفظ بها طوال الطريق.

حين وصل، وجد أمه جالسة قرب الباب، وقد بدا عليها التعب. ما إن رأته حتى نهضت بصعوبة، وضمت رأسه إلى صدرها.

لم تسأله عن الطريق أولًا، ولم تسأله إن كان قد أكل. كانت تعرف الجواب من وجهه النحيل وملابسه المغبرة.

قالت له بصوت خافت : “الحمد لله على سلامتك يا ولدي”.

أخرج علي ما يحمله، ووضعه أمامها. نظر إلى إخوته، فرأى في عيونهم فرحًا صغيرًا لا يملك له ثمنًا. اقتسموا الخبز والتمر، وجلس هو إلى جانب أمه يراقبهم.

لم يأكل إلا القليل، وحين سألته أمه عن السبب، ابتسم وقال : “شبعت في الطريق”.

كانت كذبة صغيرة، لكنها كانت تحمل قلبًا كبيرًا. فقد كان جائعًا منذ الصباح، لكنه أراد أن يترك نصيبه لإخوته.

نظرت إليه أمه طويلًا، وكأنها أدركت في تلك اللحظة أن طفلها لم يعد طفلًا. صار يحمل همّ البيت، ويخفي جوعه، ويعود من المراعي كأنه رجل كامل.

وفي تلك الليلة، نام علي قرب إخوته، لكنه لم ينم طويلًا. كان يعرف أن عليه أن يغادر مع الفجر، وأن الكوشينة تنتظره، وأن الغنم تحتاج إلى من يقودها.

وقبل أن يخرج، وضعت أمه يدها على رأسه، ودعت له : “الله يفتحها في وجهك يا ولدي، ويعوضك عن كل ما فاتك”.

ظل دعاؤها يرافقه في كل خطوة، حتى بعد أن غادر البيت، وحتى بعد أن كبر، وحتى حين صار شيخًا يروي لأبنائه وأحفاده حكاية تلك الأيام.

بداية التحول

لم يكن علي يعلم أن السنوات المقبلة ستخرجه تدريجيًا من حياة الرعي، وأن عصاه الصغيرة ستتبدل بأدوات أخرى، وأن الطريق سيقوده إلى أعمال جديدة، وقرى أخرى، ووجوه لم يعرفها من قبل.

لكنه كان يشعر في داخله بأن شيئًا ما يتغير. فقد تعلم من المرعى الصبر، ومن الجوع القناعة، ومن الغربة الاعتماد على النفس. وتعلم من أمه أن الإنسان قد يملك القليل، لكنه يستطيع أن يمنح الكثير.

كان يحمل هذه الدروس معه أينما ذهب.

وفي أحد الأيام، جاء رجل إلى أصحاب الماشية يبحث عن صبي قوي يساعده في نقل الحطب من الغابة القريبة. سمع عن علي، وعن قدرته على العمل، وعن أمانته، فعرض عليه أن يرافقه مقابل أجر أفضل من الذي كان يحصل عليه في الرعي.

تردد علي في البداية. لم يكن يعرف الرجل، ولم يكن يعرف الطريق، لكنه فكر في أمه وإخوته، وفي حاجتهم إلى الطعام والكساء.

وافق.

وهكذا، للمرة الأولى، ترك علي المرعى لا ليذهب إلى عائلة أخرى، بل ليبدأ عملًا جديدًا قد يفتح أمامه بابًا مختلفًا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!