
المصطفى الجوي – موطني نيوز
أعاد الدكتور محمد الفايد الجدل حول مفهوم أمية الرسول محمد ﷺ، بعد تدوينة نشرها على حسابه في فيسبوك، قدّم فيها قراءة مغايرة للفهم الشائع لهذا المفهوم، قبل أن يوضح لاحقاً مقصده في تعليق أرفقه بالمنشور. غير أن توضيحات الفايد لم تُنهِ الجدل، بعدما دخل أحد الشيوخ على خط النقاش، واعتبر ما صدر عن الفايد كفراً بواحاً، مطالباً برفع القضية إلى الملك محمد السادس، والمجلس العلمي الأعلى، والحكومة والقضاء.
وبعيداً عن التوتر الذي رافق هذه التصريحات، فإن القضية تستحق أن تُناقش بقدر أكبر من الهدوء والإنصاف، لأن الانتقال من سؤال فكري إلى اتهام عقدي بالغ الخطورة لا ينبغي أن يتم عبر العبارات المقتطعة أو ردود الفعل الانفعالية. فالسؤال، مهما بدا مستفزاً، لا يتحول تلقائياً إلى إساءة، كما أن الاختلاف مع تفسير معين لا يبرر تحويل صاحبه إلى خصم مباح العرض أو هدف لحملة تشهير وتحريض.
إن جوهر ما طرحه الدكتور محمد الفايد وهو من حقه، يتصل بمدلول كلمة “أمي”، وبما إذا كان هذا الوصف ينحصر في عدم القراءة والكتابة، أم أنه يحتمل معاني أخرى لغوية وتفسيرية. وقد أوضح الفايد في المقطع المتداول أنه لم يقصد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالجهل، ولم يكن بصدد الانتقاص من مقامه، بل كان يناقش الذين يتبنون تفسيراً معيناً للأمية و الذي وصفهم بـ”السلفيين”. كما صرّح بأنه طرح السؤال لإحراج هذا الفهم وإظهار ما يراه تناقضاً في مقدماته، ثم أكد أن مقصده هو القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أمياً بمعنى عدم القراءة والكتابة.
وهنا ينبغي التمسك بقاعدة أساسية في الإنصاف : لا يجوز أن ننسب إلى المتحدث أقسى معنى يمكن استخراجه من عبارة ملتبسة، ثم نحاكمه على ذلك المعنى مع تجاهل شرحه الصريح لمقصده. قد يختلف الباحثون مع استدلال الدكتور محمد الفايد، وقد يرون أن صياغته كانت غير موفقة أو أن انتقاله من معنى “الأمي” إلى نفي الأهلية للرسالة انتقال غير لازم، لكن هذا شيء، واتهامه المتعجل بسب النبي صلى الله عليه وسلم أو إهانته شيء آخر تماماً.
السؤال الذي طرحه الدكتور محمد الفايد ليس سؤالاً خارجاً عن مجال البحث من حيث الأصل. فمن حق الباحث أن يسأل عن دلالة المصطلحات، وأن يناقش الفهم الشائع، وأن يختبر مدى اتساق المقدمات مع النتائج. وليس احترام المقدسات معناه إغلاق باب البحث في الألفاظ والمفاهيم، بل إن احترامها يقتضي مناقشتها بعلم ووقار، والتمييز بين النص المقدس وبين التفسيرات البشرية المتعددة له. فإذا كان الاعتراض موجهاً إلى تفسير بشري لمعنى “الأمية”، فلا يصح جعله اعتراضاً على النبي صلى الله عليه وسلم نفسه إلا بدليل واضح على القصد والسياق.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن حق الدكتور محمد الفايد في طرح سؤاله لا يعني التسليم بصحة كل ما قاله، ولا يمنع نقده نقداً علمياً صارماً. فعبارة “فكيف يختار الله رسولاً أمياً؟” تحمل بالفعل نبرة جدلية واستبعادية، وقد توهم القارئ بأن الأمية نقص يمنع الاصطفاء للرسالة، أو بأن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأمية يتعارض مع مقام النبوة. كما أن قول الدكتور محمد الفايد إنه طرح السؤال “لأحرجهم” يكشف أن الغرض كان مناظرياً وسجالياً، لا عرضاً أكاديمياً هادئاً. وهذه ملاحظات مشروعة على الأسلوب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات نية السب أو الطعن.
كان يمكن للمعترضين على تدوينة الدكتور محمد الفايد أن يناقشوا المسألة من داخلها، فيوضحوا أن عدم القراءة والكتابة لا يعني الجهل وأن الأمية في القرأن الكريم لا تعني الذي لا يكتب و لا يقرأ والا كيف تفسرون الأية 20 من سورة آل عمران : {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، وأن النبوة ليست منصباً يتوقف على التحصيل المدرسي أو القدرة على الكتابة، وأن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأمي لا يتضمن انتقاصاً منه. وكان يمكن كذلك مناقشة استدلاله بطلب الكتاب والقرطاس، وبيان أن طلب الكتابة من الآخرين لا يثبت بالضرورة أن الطالب نفسه كان يكتب. هذه اعتراضات يمكن أن تنتج نقاشاً مفيداً، أما نقل الخلاف من ميدان البرهان إلى ميدان التكفير والتشهير و السب و القذف فليس من العلم و الدين في شيء.
وتزداد خطورة المشهد حين يتحول التصعيد إلى مطالبة برفع القضية إلى جهات رسمية وقضائية، مقروناً بوصف القول بأنه “كفر بواح”. فالأحكام العقدية والقضائية ليست مادة للمزايدة الإعلامية، ولا يجوز أن تصبح وسائل الضغط الجماهيري و التحريض على شخص الدكتور محمد الفايد بديلاً عن التحقيق العلمي أو الإجراءات القانونية المنضبطة. وحتى من يعتقد أن العبارة خطيرة أو مخالفة، فإن الطريق المسؤول هو بيان وجه الخطأ، وطلب التوضيح، والاحتكام إلى المؤسسات المختصة وفق القواعد المعروفة، لا تعبئة الجمهور في الشارع و وسائل التواصل الاجتماعي ضد شخص بعينه لمجرد مخالفتكم للرأي.
ومن الضروري هنا التمييز بين نقد الفكرة والطعن في الشخص. نقد معنى “الأمي”، أو الاعتراض على الاستدلال، أو بيان أن الصياغة ملتبسة، كلها ممارسات تدخل في نطاق النقاش العام. أما نسبة السب أو الإلحاد إلى الدكتور محمد الفايد من دون دليل واضح على قصده، أو نشر الشتائم بحقه، أو تهديده، أو الدعوة إلى الاعتداء عليه، فليست نقداً ولا دفاعاً عن الدين، بل اعتداء على الإنسان وعلى قواعد الحوار العام.
إن من حق الجميع ممن يخالفوه نقد الدكتور محمد الفايد، كما أن من حقه أن يوضح موقفه ويدافع عن تفسيره. وليس من حق أحد تهديده أو الاعتداء عليه أو التحريض ضده. فالاختلاف الفكري أو الديني لا يمنح أي فرد رخصة لممارسة العنف أو الترويع أو التشهير أو حتى المطالبة بسجنه فهذا تجييش و تأثير على سلطة القضاء و الدولة، ولا يبرر إنشاء محكمة شعبية وضعها خصومه تستبدل القانون بالفوضى. وإذا كانت بعض العبارات المتداولة تتضمن تهديداً مباشراً أو دعوة صريحة إلى العنف، فإن التعامل معها ينبغي أن يكون عبر التوثيق والإبلاغ للجهات المختصة، لا عبر الرد بعنف مضاد أو إطلاق اتهامات جديدة.
وعليه فإن “كل هذا التحريض يعاقب عليه القانون”، فمضمون المنشورات ودرجة علنيتها ووجود قصد تحريضي ووقوع ضرر أو شروع في الاعتداء. لكن القاعدة العامة أن التهديد المباشر، والتحريض على العنف، والدعوة إلى الاعتداء، والتشهير المتعمد، قد تترتب عليها مسؤولية قانونية متى استوفت عناصر الجريمة وفق القانون المحلي والأدلة المتاحة. ولذلك فإن أي تهديد حقيقي يتعرض له الدكتور محمد الفايد أو غيره ينبغي حفظه وتوثيقه، مع الاحتفاظ بالروابط والحسابات والتواريخ، ورفعه إلى الجهات المختصة.
إن تحويل كل سؤال إلى جريمة فكرية لا يحمي الدين، بل يضعف الثقة بقدرة الخطاب الديني على الإقناع. فالفكرة الواثقة من قوتها لا تحتاج إلى الشتائم، والموقف الراسخ لا يتطلب حملات تخوين وتكفير. وإذا كان طرح الدكتور الفايد خاطئاً في نظر خصومه وهذا حقهم بحسب فهمهم، فإن الرد الأقوى هو تفكيك مقدماته، وتصحيح استدلاله، وبيان مواطن الخلل فيه، لا مطاردة شخصه أو إسكات صوته بالتهديد و التكفير و التشهير.
كما أن احترام النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعارض مع فتح باب البحث في دلالات الألفاظ والمفاهيم. فالخلط بين مقام النبي المقدس وبين كل تفسير بشري لوصف من أوصافه يؤدي إلى نتيجة خطيرة، وهي اعتبار الاعتراض على تفسير بشري اعتراضاً على النبي نفسه. ومن هنا فإن مهمة العلماء والباحثين والإعلاميين ليست إلغاء الأسئلة، بل توجيهها، وتصحيحها، ووضعها في سياقها العلمي والأخلاقي.
لقد أوضح الدكتور محمد الفايد أن قصده هو نفي الأمية بمعنى عدم القراءة والكتابة بعد نزول الكتاب، بدليل قوله تعالى في الآية 48 من سورة العنكبوت : “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ” قوله من “قبل” يدل على أنه من الجائز أن يكون “بعد” الكتاب علم كيف يقرأ و كيف يكتب، لا وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالجهل أو الانتقاص من مقامه. وقد تكون عبارته الأصلية ملتبسة، وقد يكون أسلوبه الاستفزازي سبباً في سوء الفهم وسبب هذه الضجة الغير المبررة، وقد يكون استدلاله قابلاً للنقد والمراجعة؛ غير أن هذه الملاحظات لا تبرر القفز إلى اتهامه بما لم يصرح به، ولا تبرر إطلاق حملات التحريض ضده.
الموقف المنصف، إذن، لا يقتضي إعلان صحة رأي الدكتور محمد الفايد، كما لا يقتضي قبوله دون نقد. لكنه يقتضي قراءة كلامه في سياقه، والتمييز بين السؤال والسب، وبين الاعتراض والتكفير، وبين النقد والتحريض. فالعبارة كانت جدلية وملتبسة، وربما أساءت إلى مقصدها بسبب صياغتها، لكن المقطع التوضيحي الذي نشره الدكتور يجعل القصد المعلن واضحاً : مناقشة معنى “الأمي” ورفض تفسيره بعدم القراءة والكتابة، لا التهجم على شخص النبي صلى الله عليه وسلم.
يمكن أن نختلف مع الدكتور محمد الفايد في تفسيره واستدلاله، لكن لا يجوز أن نحوله بسبب هذا الاختلاف إلى مباح العرض أو هدف للتحريض. فالسؤال يُجاب عنه، والفكرة تُنقد، والخطأ يُصحح، أما الإنسان فله حق الحماية من التهديد والاعتداء و التشهير والسب و القذف، ولا سيما حين تنتقل الخصومة من ميدان الحجة إلى ميدان العنف و عالم يسيطر عليه اشخاص لا علاقة لهم بالدين ويتحركون بالعاطفة و التجييش. إن الدفاع عن حرية السؤال ليس دفاعاً عن الخطأ، والدفاع عن سلامة الدكتور محمد الفايد ليس تزكية لكل آرائه؛ إنه دفاع عن قاعدة أوسع : لا مجتمع آمناً بلا حق في التفكير، ولا نقاش نزيهاً بلا احترام، ولا عدالة حين يصبح التحريض بديلاً عن البرهان.