عاجل : لجنة جديدة لإفتحاص ملفات قديمة للتعمير بجماعة بنسليمان

رئيس جماعة بنسليمان
رئيس جماعة بنسليمان

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

بحسب المعطيات المتداولة، حلت اليوم الخميس 27 غشت الجاري لجنة تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية بمقر جماعة بنسليمان، قصد إفتحاص ملفات التعمير خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2016 و 2022. وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة، ليس فقط لارتباطها بقطاع حساس يمس التخطيط العمراني وحقوق المرتفقين ومصالح الاستثمار، وإنما أيضا لأنها تأتي، وفق المعطيات نفسها، على ملفات سبق أن كانت موضوع افتحاصات وتدقيقات من طرف لجان مركزية متعاقبة، فضلا عن ملاحظات سبق أن سجلتها أجهزة الرقابة المالية والقضائية المختصة، وتناولتها وسائل إعلام محلية و وطنية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بمشروعية الافتحاص الجديد، فالتدقيق الإداري يظل، من حيث المبدأ، آلية ضرورية لحماية المال العام وترسيخ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. السؤال الحقيقي هو : ما القيمة المؤسساتية المضافة لهذه المهمة إذا كانت خلاصات افتحاصات سابقة لم تتحول، في نظر الرأي العام، إلى قرارات واضحة أو إجراءات تصحيحية ملموسة؟

إن تكرار اللجان لا يصبح مشكلة في حد ذاته، ما دام لكل لجنة اختصاصها ونطاقها الزمني وأهدافها. لكن غياب التواصل بشأن مآل التقارير، وعدم توضيح ما إذا كانت الملاحظات السابقة قد عولجت أم لا، قد يجعل تعدد الافتحاصات يبدو وكأنه دوران في الحلقة الفارغة نفسها. فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة عدد اللجان التي زارت الجماعة بقدر حاجته إلى معرفة ما الذي تغير بعد كل زيارة، وما إذا كانت الاختلالات المفترضة قد جرى تصحيحها، ومن تحمل مسؤوليته الإدارية أو السياسية، وفق المساطر القانونية وضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

كما أن إعادة فحص الفترة الممتدة من 2016 إلى 2022 تطرح سؤالا آخر حول توقيت التدخل. فإذا كانت هذه الملفات معروفة لدى أكثر من جهاز رقابي، فلماذا تأخر الحسم في مآلها إلى ما قبل نهاية الولاية الانتدابية؟ وهل يتعلق الأمر باستكمال مسار رقابي طبيعي، أم بمحاولة متأخرة لإعادة ترتيب المسؤوليات السياسية والإدارية؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالتخمين أو الاتهام، بل بالنشر المسؤول للمعطيات الأساسية، وبتمكين الرأي العام من الاطلاع على ما يمكن نشره قانونا من خلاصات وتقارير وقرارات.

و المطلوب اليوم ليس التشكيك في اللجنة ولا في أعضائها، وإنما مساءلة المنظومة التي تجعل التفتيش يتكرر دون أن يشعر المواطن بنتائجه. فالرقابة التي لا تنتهي إلى تصحيح الاختلالات، أو إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، أو إلى وضع آليات تمنع تكرارها، تتحول تدريجيا إلى إجراء شكلي، مهما كانت نوايا القائمين عليها. أما الرقابة الفعالة، فهي التي تقيس أثرها في الواقع : هل تحسنت آجال معالجة الملفات؟ هل أصبحت المعايير أكثر وضوحا؟ هل تراجع التظلم؟ هل توحدت الممارسة الإدارية؟ وهل بات المنتخبون والموظفون والمتدخلون يعرفون بدقة حدود مسؤولياتهم؟

لذلك، فإن نجاح اللجنة الحالية لن يقاس فقط بما ستنتهي إليه من ملاحظات، بل بمدى وضوح مخرجاتها وقابليتها للتنفيذ، وبما إذا كانت ستقترح أجوبة عملية عن الاختلالات التي قد تثبتها، دون انتقائية أو تصفية حسابات أو أحكام مسبقة. كما أن من واجب الجهات المعنية، بعد انتهاء المهمة، أن توضح للرأي العام الإطار العام للاستنتاجات والإجراءات المتخذة، مع احترام المعطيات المحمية قانونا وسرية الأبحاث عند الاقتضاء.

إن بنسليمان لا تحتاج إلى مسرحية جديدة بالسيناريو نفسه وتغيير الممثلين، كما لا تحتاج إلى أحكام إعلامية جاهزة. ما تحتاجه هو رقابة ذات أثر، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وتواصل رسمي يضع حدا للغموض، ومسار واضح يفصل بين الخطأ الإداري، والمسؤولية السياسية، والمخالفة التي تستوجب ترتيب الجزاء. وحده هذا الربط بين الافتحاص والإصلاح، وبين التقرير والقرار، قادر على تحويل لجنة جديدة من مجرد حدث إداري عابر إلى فرصة حقيقية لاستعادة الثقة في تدبير قطاع التعمير وفي مؤسسات الرقابة على حد سواء.

وإلا فإننا “نصب الماء على الرمل” وبمعنى أدق “مكاين والو”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!