
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لم تبدأ قضية “جبروت” من دليل تقني مكتمل، بل من رواية مثيرة جرى تقديمها للرأي العام باعتبارها اختراقًا واسعًا طال أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية. سبعون ألف اسم، وبيانات شخصية وإدارية ومالية، وإيحاء بأن قواعد حساسة أصبحت في متناول القراصنة؛ عناصر كافية لصناعة صدمة إعلامية وسياسية. غير أن مهمة الصحافة لا تبدأ من حجم الادعاء، بل من تفكيكه، والتمييز بين ما نُشر فعلًا، وما يمكن إثباته تقنيًا، وما أريد للجمهور أن يصدقه.
المعطى الذي يمكن تثبيته، وفق ما أمكن فحصه من المواد المتداولة، هو نشر ملفات على تطبيق Telegram يوم 24 غشت 2026، تضمنت أسماء ووظائف وأرقامًا تعريفية ومراجع مهنية وتواريخ ميلاد وتوظيف، فضلًا عن معلومات بنكية في بعض الحالات. كما تضمنت الملفات أسماء مرتبطة بأجهزة الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، من بينها مسؤولون بارزون. لكن وجود هذه الأسماء داخل ملفات مسربة لا يثبت، في حد ذاته، أن الأنظمة المعلوماتية التابعة للمؤسستين تعرضت للاختراق.
هذه هي النقطة التي جرى تجاوزها في التداول الأول للقضية. فالشخص الذي يظهر اسمه في قاعدة بيانات معينة ليس بالضرورة هو الجهة التي تعرض نظامها للاختراق. موظف الأمن، مثل سائر موظفي الدولة، قد تكون بياناته محفوظة لدى مؤسسات التأمين والتغطية الصحية والتقاعد والرواتب والموارد البشرية، فضلًا عن الشركات أو المتعهدين الذين يقدمون خدمات تقنية وإدارية لهذه الجهات. ومن ثم، فإن العثور على اسم موظف أمني في قاعدة بيانات خارج مؤسسته الأصلية لا يسمح تلقائيًا بالقول إن النظام الداخلي للجهاز الذي يعمل فيه قد كُشف.
بل إن تعدد النسخ الإدارية للبيانات قد يكون هو مكمن الخطر الحقيقي. فالبيانات التي تُجمع لغرض التأمين أو التقاعد أو تدبير الأجور قد تتضمن عناصر شديدة الحساسية، لكنها غالبًا لا تحظى بدرجة الحماية نفسها المخصصة للأنظمة التشغيلية الأمنية. وإذا كانت هذه المعلومات موزعة بين أكثر من جهة، ومخزنة في أرشيفات قديمة ونسخ احتياطية ومستودعات لدى مزودين خارجيين، فإن المهاجم قد لا يحتاج إلى اختراق أكثر الأنظمة سرية للوصول إلى معلومات تتيح كشف هوية آلاف الموظفين.
تكتسب هذه الفرضية أهمية أكبر عند مقارنتها بواقعة سابقة طالت الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في أبريل 2025. فقد أعلن الصندوق آنذاك تعرض أنظمته لسلسلة هجمات استهدفت تجاوز وسائل الحماية، وأقر بوقوع تسرب بيانات كانت أصوله وحدوده قيد التقييم. كما أشار إلى أن الفحص الأولي لبعض الوثائق المتداولة أظهر أنها كانت، في حالات كثيرة، زائفة أو غير دقيقة أو مبتورة، مع تفعيل إجراءات أمنية ورفع الملف إلى السلطات القضائية. وقد تحدث تحليل متخصص في استخبارات التهديدات عن أرشيف واسع احتوى بيانات لنحو 1,996,026 موظفًا، من بينها الأسماء وأرقام التعريف والرواتب والحسابات البنكية، وكانت بعض الملفات تحمل تواريخ تعود إلى نوفمبر 2024.
لا يعني ذلك أن القوائم المنسوبة إلى “جبروت” خرجت بالضرورة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا أن أي مؤسسة بعينها هي مصدر التسريب. لكنه يوضح أن بيانات موظفي الدولة كانت موجودة، قبل ظهور القضية الحالية، داخل منظومات إدارية واسعة تعرضت بالفعل لمخاطر اختراق وتسريب. لذلك لا بد من التعامل مع مؤسسات التأمين والحماية الاجتماعية ومزودي الخدمات التقنية باعتبارها مسارات محتملة للتحقق، لا باعتبارها جهات مسؤولة قبل انتهاء التحقيق.
وتلخص المقارنة بين الادعاء والمعطيات المتاحة الصورة على النحو الآتي :
هل نُشرت ملفات على Telegram؟
نعم، وفق المواد المتداولة بتاريخ 24 أغسطس 2026، فالنشر لا يثبت أصالة كل سجل.
هل تضم الملفات أسماء مرتبطة بأجهزة أمنية؟
نعم، تظهر أسماء منسوبة إلى موظفين ومسؤولين أمنيين، ومع ذلك لا يثبت أن مصدرها قواعد البيانات الأمنية.
هل ثبت اختراق مباشر للأمن الوطني أو مراقبة التراب الوطني؟
لا يوجد دليل تقني مستقل منشور يثبت ذلك، وبالتالي لا بد من انتظار خبرة رقمية وتحقيق رسمي.
هل البيانات حديثة؟
توجد مؤشرات على قدم جزء منها، بينها تواريخ توظيف تتوقف عند 2020 و ورود أسماء متوفين، فقدم البيانات لا يحدد وحده مصدرها أو تاريخ استخراجها.
هل التسريب خطير؟
نعم، إذا تأكدت أصالة البيانات ولو جزئيًا، فحجم الضرر وعدد السجلات الصحيحة يحتاجان إلى تدقيق جنائي رقمي.
وتساعد مؤشرات أخرى على التشكيك في رواية الاختراق الحديث والشامل. فقد أظهرت المعطيات المتاحة أن أحدث تاريخ توظيف ظاهر في بعض الملفات يعود إلى سنة 2020، كما وردت أسماء أشخاص متوفين، من بينهم عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي توفي سنة 2022. وتتناقض هذه المؤشرات ظاهريًا مع صورة نظام أمني حي ومحدث يعكس الوضعيات المهنية الراهنة.
لكن هذه القرائن، رغم أهميتها، لا تسمح بإغلاق التحقيق. فقد يكون المهاجم حصل على نسخة احتياطية قديمة، أو على أرشيف ثابت، أو على ملف جرى تصديره في تاريخ سابق ثم أعيد نشره في وقت لاحق. ولذلك فإن قدم البيانات يضعف ادعاء الاختراق الحديث الشامل، لكنه لا ينفي احتمال وقوع تسريب فعلي لبيانات قديمة.
الاختبار الحقيقي لا يكمن في عنوان الملفات ولا في عدد الأسماء، بل في بنيتها الداخلية. ينبغي معرفة عدد السجلات الفريدة بعد حذف التكرارات، ومدى اتساق الحقول، وأنماط أرقام التعريف، وصيغ التواريخ، وتواريخ الإنشاء والتعديل، وأوجه التشابه مع قواعد بيانات سبق تسريبها. كما يجب فحص ما إذا كانت الملفات تشكل قاعدة واحدة متماسكة، أم أنها تجميع لمصادر مختلفة جرى توحيدها وإعادة تسميتها.
في عالم الجرائم الرقمية، يمكن لملف ضخم أن يكون أقل قيمة مما يوحي به حجمه. فإعادة تدوير بيانات قديمة، ودمجها في جداول جديدة، وانتقاء أسماء ذات دلالة أمنية منها، قد تنتج رواية تبدو كأنها اختراق جديد، بينما هي في الواقع إعادة توضيب لمواد سبق الحصول عليها. ولذلك لا يجوز الخلط بين كثرة السجلات وصحة الادعاء، ولا بين وجود بيانات صحيحة وصحة نسبتها إلى مؤسسة أمنية محددة.
غير أن تفكيك الرواية الدعائية لا ينبغي أن يتحول إلى تقليل من خطورة التسريب. فالبيانات القديمة ليست بالضرورة عديمة القيمة. رقم التعريف الوطني، وتاريخ الميلاد، ورقم الحساب البنكي، ومعلومة الراتب أو المسار المهني، يمكن أن تستخدم في انتحال الشخصية والهندسة الاجتماعية والابتزاز وبناء ملفات استهداف. كما أن كشف هوية موظفين أمنيين، حتى إذا كانت المعلومات قديمة، قد يعرّضهم وأسرهم لمخاطر إضافية، خصوصًا إذا جرى الجمع بين البيانات المهنية والمعلومات الشخصية.
السؤال الأهم، في تقديري، ليس فقط : هل اخترقت المخابرات المغربية؟ بل : كيف انتقلت بيانات الموظفين إلى هذا العدد من الجهات والنسخ؟ ومن كان يملك حق الوصول إليها؟ وهل كانت هناك سجلات دقيقة لعمليات النسخ والتصدير؟ وهل فُرضت قيود حقيقية على المتعهدين الخارجيين؟ وهل حُذفت البيانات التي لم تعد ضرورية، أم ظلت محفوظة في أرشيفات قديمة ونسخ احتياطية لا تخضع للمراجعة؟
إذا ثبت أن المصدر مؤسسة إدارية أو مزود خدمة أو مستودعًا قديمًا، فإن القضية ستتجاوز حدود الاختراق التقني إلى أزمة في حوكمة البيانات. فالمسؤولية لا تتعلق فقط بمن نفذ الهجوم، بل أيضًا بالجهة التي جمعت البيانات، والجهة التي احتفظت بها، والجهات التي شاركتها، والضوابط التي فشلت في منع خروجها. فحماية المعطيات لا تعني تأمين الخوادم فقط، بل تعني كذلك تقليل البيانات، وتحديد أغراض استخدامها، وضبط مدد الاحتفاظ بها، ومراقبة كل عملية وصول أو تصدير.
وتظل المؤسسات المختصة بحماية المعطيات مدعوة إلى التعامل مع هذه القضية باعتبارها اختبارًا للشفافية والمساءلة. فالتحقيق الجاد يجب أن يحدد مسار البيانات منذ لحظة جمعها، وأن يراجع العقود المبرمة مع مزودي الخدمات، وأن يفحص أنظمة الدخول والنسخ الاحتياطي، وأن يطابق عينات محدودة من الملفات مع الجهات المالكة لها، دون نشر البيانات الحساسة أو تعريض أصحابها لمزيد من الضرر.
أما التركيز على اسم مسؤول أمني بارز، مثل عبد اللطيف حموشي، فيمنح التسريب قوة رمزية تفوق قيمته الإثباتية. فالاسم المعروف يختصر في ذهن الجمهور مسافة طويلة من الاستدلال، ويحول جدولًا مجهول المصدر إلى قصة عن اختراق قمة الهرم الأمني. لكن وجود اسم مسؤول في ملف إداري لا يجيب عن السؤالين الحاسمين : من أنشأ الملف؟ ومن استخرجه؟ إن الخلط بين هوية صاحب البيانات وملكية قاعدة البيانات هو الذي يسمح بتحويل تسريب إداري إلى مشهد استخباراتي.
كما أن إعلان جماعة قرصنة مسؤوليتها عن هجوم لا يمثل دليلًا مستقلًا على قدرتها أو على صحة كل ما تنشره. إنه يثبت فقط أنها تريد أن تُنسب العملية إليها. وفي سياقات الصراع السياسي والإلكتروني، قد يكون إنتاج الانطباع بالاختراق هدفًا قائمًا بذاته، لأن الإرباك وفقدان الثقة وإحراج المؤسسات قد تحقق أثرًا استراتيجيًا حتى دون الوصول إلى الأنظمة الأكثر حساسية.
ومن واجب الصحافة ألا تتحول إلى قناة إضافية لتوزيع الضرر. فإعادة نشر أرقام الهوية أو الحسابات البنكية أو عناوين الأفراد لا تخدم التحقيق، بل تمنح القائمين على التسريب جمهورًا أوسع وتضاعف المخاطر على الضحايا وهذا في حد ذاته جريمة يعاقب عليها القانون. فالمعالجة المهنية تقتضي عرض ما يلزم لفهم القضية، وحجب البيانات القابلة للاستغلال لا اعادة نشرها وكأنه سبق صحفي، والتمييز بوضوح بين الوقائع والادعاءات والفرضيات، والتصريح بما لم يُتحقق منه بعد.
الخلاصة أن المعطيات المتاحة تدعم وجود تسريب أو نشر لملفات حساسة، لكنها لا توفر أساسًا كافيًا للجزم بأن “جبروت” اخترقت البنية المعلوماتية الداخلية للأمن الوطني أو مراقبة التراب الوطني. مؤشرات قدم البيانات ووجود أسماء متوفين واحتمال التقاطع مع أرشيفات إدارية سابقة تجعل رواية “الاختراق الاستخباراتي الشامل” غير مثبتة. وفي المقابل، فإن غياب الدليل على اختراق الأجهزة الأمنية لا يعني أن الواقعة بسيطة أو مختلقة؛ فإذا تأكدت أصالة البيانات، فنحن أمام تسريب خطير يكشف ثغرات في حماية المعطيات الإدارية ويطرح أسئلة ثقيلة حول المسؤولية والحوكمة.
لأن المسألة الحقيقية ليست الاختيار بين رواية “اختراق أمني” ورواية “لا شيء”. الحقيقة توجد في طبقات منفصلة : ما نُشر، وما هو صحيح، ومن كان يملك البيانات، وكيف خرجت، ومن أعاد تقديمها، وما الضرر الذي ترتب عليها. وإلى أن تجيب الخبرة الرقمية والقضاء عن هذه الأسئلة، يبقى وصف العملية بأنها “اختراق استخباراتي” أقرب إلى ادعاء دعائي منه إلى نتيجة تقنية، بينما يظل تسريب البيانات الإدارية، بحد ذاته، إنذارًا مؤسسيًا لا يجوز التهوين من خطورته. خاصة وان خصوم الدولة بالجوار استغلوه جيدا وساهم في نشره وبشكل مرعب مغاربة.