
بقلم د. عافية صابر – موطني نيوز
عرفتُه صديقًا، لكنني، مع مرور السنوات، أدركت أن صداقتي له لم تكن مجرد معرفة عابرة، بل كانت لقاءً مع رجل اختار أن يعيش شريفًا مع قلمه، صريحًا مع الناس، ونزيهًا في مواقفه، مهما كان ثمن الصراحة.
كان صحفيًا من ذلك الزمن الذي كان فيه القلم أمانة، والكلمة مسؤولية، والحقيقة أغلى من كل المكاسب. اختار لجريدته اسم “موطني”، وكأن الاسم كان اختصارًا لحياته كلها؛ فالوطن بالنسبة إليه لم يكن مجرد أرض، بل كان كلمة يدافع عنها، وحقيقة يبحث عنها، وكرامة لا يساوم عليها.
لم تكن طريقه مفروشة بالراحة. كافح كثيرًا، وسهر ليالي طويلة يكتب ويبحث ويتابع الأخبار، وفي الوقت نفسه كان يحمل همّ أسرته على كتفيه. كان يعرف أن وراء كل نجاح حكاية تعب لا يراها أحد، وأن ما يصل إليه الإنسان من مكانة غالبًا ما يخفي وراءه سنوات من الصبر والمثابرة.
كان حلمه الأكبر أن يرى أبناءه في أفضل المراتب. لذلك تعب من أجلهم، وسهر على مستقبلهم، وتحمل من أجل دراستهم ما لا يستطيع كثيرون تحمله. واليوم، حين أصبح أبناؤه يحملون الشهادات العليا وحققوا مكانتهم، يمكن القول إن تعبه لم يذهب سدى؛ فقد ترك فيهم أغلى ما يمكن أن يتركه الأب : العلم، والقيم، والإصرار على النجاح.
وبجانبه كانت زوجة تستحق أن تُكتب عنها صفحات أخرى.
امرأة متعلمة ومثقفة، كان بإمكانها أن تختار لنفسها طريقًا مختلفًا، لكنها اختارت أن تجعل أسرتها أولويتها. تخلت عن كثير من طموحاتها وراحتها، وكرست نفسها للسهر على زوجها وأبنائها، تسانده في أوقات ضعفه، وتقف إلى جانبه في مواجهة قسوة الأيام.
لم تكن حياتهما خالية من الأخطاء والزلات. فالإنسان، مهما كان نزيهًا وقويًا، يبقى إنسانًا يخطئ ويصيب. لكنها كانت تعرف متى تتجاوز، ومتى تصمت، ومتى تمنح فرصة جديدة. تجاوزت عن أخطائه، وغضّت الطرف عن زلاته، ليس ضعفًا منها، وإنما لأنها كانت ترى في الزواج مسؤولية، وفي العائلة وطنًا صغيرًا يستحق أن يُحمى.
وربما لم يقل لها كثيرًا كم كانت عظيمة، وربما لم يدرك دائمًا حجم ما قدمته، لكن الحقيقة تبقى حقيقة : خلف كل رجل صمد طويلًا، قد تقف امرأة صبرت أكثر مما يظن الناس.
أما هو، فظل وفيًا لقلمه.
لم يبع كلمته، ولم يجعل الصحافة بابًا للمصلحة، ولم يتخلَّ عن صراحته خوفًا من أحد. كان يعرف أن الصحفي الحقيقي قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه إذا خسر صدقه فقد خسر كل شيء.
واليوم، حين أنظر إلى مسيرته، أرى رجلًا لم تكن ثروته الحقيقية فيما جمعه لنفسه، بل فيما تركه وراءه : أبناء ناجحين، وأسرة صبرت، وزوجة ساندت، واسم صحفي ارتبط بجريدة اختار لها اسم “موطني”.
وما أجمل أن يعيش الإنسان حياته وهو قادر، في نهايتها، على أن يقول :
لم أكن كاملًا، لكنني حاولت أن أكون صادقًا.
لم أربح كل المعارك، لكنني لم أخن قلمي.
ولم أعش لنفسي وحدها، بل سهرت حتى رأيت أبنائي واقفين حيث تمنيت لهم أن يكونوا.
وهكذا تبقى بعض القصص أكبر من أن تُروى عن رجل واحد؛ إنها قصة قلم نزيه، وأب مكافح، وزوجة صابرة، وأسرة صنعت من التعب نجاحًا، ومن الصبر حياة.