
المصطفى الجوي – موطني نيوز
ليس كل من غادر المغرب خائنا، وليس كل من انتقد الدولة من الخارج عميلا، كما أن رفع شعار الوطنية لا يمنح أحدا حصانة من المساءلة. غير أن ظاهرة بعض الأشخاص الذين يعيشون داخل البلاد في صمت أو انتهازية، ثم ما إن تطأ أقدامهم «الضفة الأخرى» حتى يتحولوا إلى معارضين شرسين، تستحق قراءة أكثر عمقا من لغة التخوين الجاهزة أو التبرير الساذج. فالمشهد لا يروي حكاية واحدة، بل يكشف عن تداخل ثلاثة عناصر : فرد اكتشف أن كلفة الكلام في الداخل مرتفعة أو تخيل ذلك، ومنظومة لم تقنعه بأن القانون يحميه، وفضاء خارجي يكافئ الخطاب الأكثر صداما ويمنحه جمهورا وموارد ومكانة لم يكن يحصل عليها في بلده.
المشكلة أن كلمة “الخيانة” أصبحت في كثير من النقاشات مظلة واسعة تُلقى تحتها وقائع مختلفة تماما. هناك من يبيع معلومات أو ينسق مع جهات أجنبية للإضرار المتعمد ببلده، وهذا سلوك خطير ينبغي أن يحدد القانون عناصره ويعاقب عليه القضاء المستقل. وهناك معارض سياسي يمارس حقه في التعبير والتنظيم والدفاع عن قضايا حقوقية، حتى لو كان يقيم خارج البلاد. وهناك شخص انتهازي يغير مواقفه بحسب الجمهور والمنصة ومصدر التمويل. وهناك مواطن غاضب يحمل جرحا شخصيا أو مهنيا، فيتحول غضبه إلى خطاب عدائي شامل. جمع هؤلاء جميعا في خانة واحدة ليس دفاعا عن الدولة، بل إفساد للتمييز الضروري بين الجريمة والرأي والانتقام الشخصي.
في المقابل، لا يجوز أن يتحول اللجوء إلى خطاب الحقوق والحريات إلى رخصة لتزوير الوقائع أو التحريض على الكراهية أو استدعاء التدخل الأجنبي أو استهداف المجتمع بأكمله. المعارضة الحقيقية لا تحتاج إلى اختلاق كل شيء، كما أن الدولة الواثقة لا تحتاج إلى إسكات كل شيء. معيار الوطنية ليس مقدار التصفيق للحكومة، ومعيار المعارضة ليس مقدار الشتائم الموجهة إليها؛ المعيار هو الصدق، واحترام الوقائع، ورفض العنف، وعدم تحويل آلام المواطنين إلى سلعة سياسية.
هل هذه الظاهرة عادية؟ هي عادية بالمعنى الإنساني والسياسي، لأن الخوف والانتهازية وتبدل المواقف توجد في كل المجتمعات، لكنها تصبح مقلقة حين تتكرر على نطاق واسع وتجد سوقا جاهزة خارج الحدود. الشخص الذي لا يتكلم في الداخل قد يكون جبانا، وقد يكون حذرا، وقد يكون فاقدا للثقة في جدوى الكلام، وقد يكون ببساطة غير مقتنع بما يقوله لاحقا. ولا يمكن معرفة الدافع من خلال مقطع قصير على منصة اجتماعية. لكن تكرار النمط يطرح سؤالا لا يمكن دفنه بالتخوين: لماذا يشعر بعض المواطنين أن الكلام لا يصبح آمنا أو مسموعا إلا بعد مغادرة البلاد؟
الجواب لا يكمن كله في الدولة، ولا كله في الفرد. في بعض الحالات يوجد تهميش حقيقي، وإقصاء من فرص العمل أو الترقية أو المشاركة، وتفاوت صارخ بين من يملك العلاقات ومن يملك الكفاءة فقط. توجد أيضا بيروقراطية تُهين المواطن، وإدارة لا تشرح قراراتها، وأحزاب فقدت قدرتها على تمثيل الناس، وإعلام يخلط أحيانا بين النقد والولاء، ومؤسسات لا تجعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة محسوسا في الحياة اليومية. حين تتراكم هذه التجارب، يصبح خطاب “الحقوق” بالنسبة إلى المواطن الذي لم يجد إنصافا أكثر من شعار، حتى لو كانت هناك قوانين ومؤسسات ونصوص جميلة.
لكن الاعتراف بوجود اختلالات لا يعني قبول الرواية التي تقول إن المغرب بلد بلا حقوق أو أن كل مؤسساته مجرد واجهة. فالواقع أكثر تعقيدا، توجد مساحات للتعبير والعمل المدني والنقاش العام، كما توجد فجوات بين النص والتطبيق، وبين الخطاب الرسمي وتجربة المواطن. قيمة الدولة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما يراه المواطن حين يطلب وظيفة، أو يلجأ إلى القضاء، أو يواجه إدارة، أو ينتقد مسؤولا، أو يدافع عن أرضه وكرامته. الحقوق لا تثبت باللافتات، بل بقدرة أضعف مواطن على استعمالها دون خوف ودون أن تتحول حياته إلى فاتورة انتقام.
أما الذين ينقلبون بعد الوصول إلى أوروبا أو أمريكا الشمالية أو غيرهما، فبعضهم يكتشف فعلا معنى جديدا للحماية القانونية وحرية التنظيم، فيعيد تقييم تجربته السابقة. وبعضهم يستفيد من هامش أوسع في التعبير، فيخلط بين التحرر من الخوف والتحرر من المسؤولية. وبعضهم يجد في صورة “المعارض المغربي” فرصة للظهور أو التمويل أو بناء شبكة علاقات. وبعضهم لا يغير موقفه أصلا، بل يغير طريقة التعبير فقط لأن الداخل كان يفرض عليه الصمت. ومن الظلم أن ننكر تجارب المظلومين، كما من السذاجة أن نصدق كل من يقدم نفسه في الخارج باعتباره صوت المغرب الوحيد.
الخلل يبدأ حين يصبح الخارج مرآة مشوهة للداخل، وحين تتنافس بعض المنصات على أكثر الروايات إثارة: بلد ينهار، شعب يختنق، دولة لا تفعل شيئا، ومعارض يملك وحده الحقيقة. هذه اللغة قد تجلب المشاهدات، لكنها لا تبني ديمقراطية ولا تعيد حقا إلى صاحبه. وفي الاتجاه المعاكس، ترد بعض الأصوات الرسمية أو الشعبية بتعميم تهمة العمالة على كل منتقد، فتدفع حتى الوطنيين الصادقين إلى الصمت أو الارتماء في أحضان خطابات أكثر راديكالية. هكذا يصنع الطرفان بعضهما بعضا، خطاب تخوين في الداخل يغذي خطاب مبالغة في الخارج، وخطاب مبالغة في الخارج يمنح التخوين في الداخل مبررا جديدا.
ولا يمكن فصل ذلك عن سؤال الهجرة. ليس صحيحا أن كل الشباب المغربي يريد الهرب، فاستطلاع أجرته أفروباروميتر أظهر أن 73% من الشباب يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، وأن 54% يتوقعون تحسن الظروف الاقتصادية، لكن 28% قالوا إنهم فكروا كثيرا في الهجرة، وهي نسبة ارتفعت من 20% في 2017. هذه الأرقام لا تقول إن الشباب يكره وطنه، بل تقول إن الأمل والانزعاج يعيشان معا في الجيل نفسه. الشاب قد يحب بلده، ويفتخر به، ويرى إمكاناته، ثم يقرر مع ذلك أن مستقبله المهني أو الإنساني سيكون أفضل في مكان آخر.
والأرقام الرسمية تشرح جزءا من هذا التناقض. فقد بلغ معدل البطالة في المغرب 13.3% خلال الفصل الأول من سنة 2025، وارتفع إلى 37.7% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، وإلى 19.4% لدى حاملي الشهادات، كما ارتفع معدل الشغل الناقص إلى 11.8%. لا تكفي هذه المؤشرات وحدها لتفسير كل قرار بالهجرة، لكنها تكشف لماذا لا تقنع خطابات الصبر جيلا يرى سنوات الدراسة تتحول إلى انتظار، ويرى الوظيفة تُنال أحيانا بالواسطة، ويقارن يوميا عبر الهاتف بين مستوى عيشه وصور حياة أخرى.
الشباب لا يهرب من المغرب فقط بسبب الراتب. إنه يهرب من الإحساس بانسداد الأفق، ومن الإهانة اليومية، ومن غياب تكافؤ الفرص، ومن الخوف من أن يظل فقيرا رغم تعليمه، ومن خدمات صحية وتعليمية لا تمنحه دائما ما يراه حقا طبيعيا. يهرب أيضا من ضغط الأسرة، ومن رقابة المجتمع، ومن صعوبة السكن والزواج، ومن علاقة متوترة مع المجال العام، ومن رغبة في تجربة ذاتية لا تسمح بها بيئة اجتماعية محافظة. لذلك فإن اختزال الهجرة في “قلة الوطنية” إهانة للواقع، كما أن تصوير كل مهاجر باعتباره بطلا متمردا اختزال آخر مضلل. الهجرة في كثير من الأحيان تصويت بالأقدام على فشل سياسات، لكنها قد تكون أيضا قرارا شخصيا مشروعا بحثا عن فرصة أو أمن أو كرامة.
ومن هذا الباب ينبغي فهم التحولات الدينية والفكرية لدى بعض المغاربة. اعتناق التشيع أو المسيحية أو الإلحاد ليس دليلا آليا على الخيانة أو العمالة، كما أنه ليس بالضرورة علامة على التقدم أو الوعي. قد يكون تعبيرا عن بحث روحي، أو أزمة ثقة في الخطاب الديني السائد، أو تجربة شخصية مؤلمة، أو تأثر بمحتوى رقمي، أو رغبة في الانتماء إلى هوية بديلة، أو رد فعل على توظيف الدين في الصراع السياسي والاجتماعي. وقد يكون أحيانا مجرد موقف عابر أو ادعاء استفزازي. لا توجد، في حدود المصادر الموثوقة المتاحة هنا، إحصاءات وطنية تسمح بتحويل هذه الحالات الفردية إلى “موجة” أو اتهام جيل كامل بالردة أو الانحراف.
الدولة التي تخاف من سؤال ديني لا تحمي الدين، والمجتمع الذي يطارد المختلف لا يقوي الإيمان. حماية الثوابت لا تكون بتفتيش الضمائر، بل بتعليم ديني رصين، وبخطاب ديني يجيب عن أسئلة العصر، وبقانون يحمي الناس من العنف والتحريض والتمييز، وبفضاء يسمح بالنقاش المسؤول حول المعتقد والهوية. أما تحويل كل اختلاف فكري إلى مؤامرة أجنبية، فهو يدفع بعض الشباب إلى مزيد من السرية والتطرف، ويمنع المؤسسات من فهم الأسباب الحقيقية للتحول.
وهنا نأتي إلى مربط الفرس!! من المتسبب في هذه الاختلالات؟ ليس هناك متهم واحد يصلح لكل الملفات. تتحمل الدولة مسؤولية السياسات العمومية، وجودة التعليم، وعدالة التوظيف، واستقلال المؤسسات، وحماية الحريات، ومكافحة الفساد والزبونية. تتحمل الأحزاب مسؤولية فراغ الوساطة وانقطاعها عن المجتمع. تتحمل النخب الاقتصادية مسؤولية إعادة إنتاج الريع حين تربط الفرص بالنفوذ لا بالكفاءة. تتحمل المدرسة والأسرة والإعلام مسؤولية ضعف التربية على الاختلاف والتفكير النقدي. ويتحمل الأفراد الذين يبيعون الوهم أو يختلقون الوقائع أو يستغلون معاناة الناس مسؤوليتهم كاملة. أما الحديث عن “أياد خارجية” فلا قيمة له ما لم يقدم دليلا محددا؛ فالتفسير المؤامراتي السهل كثيرا ما يستعمل للهروب من عيوب الداخل.
الحل ليس في إغلاق الحدود ولا في مطاردة المعارضين في الخارج، وليس في منح كل من رفع راية المظلومية صك الحقيقة. الحل يبدأ بإعادة بناء الثقة من الأسفل، إدارة تحترم المواطن، قضاء يراه الناس مستقلا وفعالا، فرص عمل لا تُشترى بالعلاقات، جامعة تربط التكوين بسوق الشغل، وتنمية لا تجعل المدن الكبرى جزرا للفرص وبقية البلاد خزانا للبطالة. كما يتطلب الأمر شفافية في التعيين والصفقات، حماية فعلية للمبلغين والصحفيين والفاعلين المدنيين، وحقا واضحا في النقد السلمي، مع تطبيق القانون على من يحرض على العنف أو يختلق الاتهامات أو يتعاون فعلا مع جهات تضر بالمصلحة الوطنية.
ويجب أن تنتقل الدولة من منطق مخاطبة الجالية باعتبارها خزانا للعملة إلى اعتبارها شريكا في النقاش الوطني. كثير من المهاجرين يحملون خبرات وملاحظات ومشاعر انتماء لا تختفي بمجرد السفر. فتح قنوات مؤسساتية للحوار، وتحسين الخدمات القنصلية، وتسهيل الاستثمار، وحماية حقهم في المشاركة، سيقلل من تحول المنفى إلى منصة خصومة دائمة. وفي المقابل، على المعارضين في الخارج أن يدركوا أن الحرية ليست حقا في التشهير الجماعي، وأن نقد الدولة لا يبرر إهانة الشعب، وأن كشف الانتهاكات يحتاج إلى وثائق ومهنية لا إلى صراخ متواصل.
المغرب لا يحتاج إلى مواطنين يصفقون في الداخل ويشتمون في الخارج، كما لا يحتاج إلى دولة تعتبر كل سؤال مؤامرة وكل معارضة خيانة. يحتاج إلى مواطن يستطيع أن ينتقد وهو في بلده، وإلى دولة لا تخشى النقد لأنها تملك مؤسسات تصحح أخطاءها، وإلى مجتمع يفهم أن الاختلاف الديني والفكري لا يساوي خيانة، وأن الوطنية ليست امتحانا في الطاعة العمياء. إذا أردنا أن يتوقف بعض الغاضبين عن تحويل هجرتهم إلى انقلاب لفظي، فعلينا أن نسأل أولا: ما الذي دفعهم إلى الصمت؟ وما الذي منحهم في الخارج شجاعة لم يجدوا شروطها في الداخل؟
في صميم الحقيقة أن ظاهرة “خونة الداخل” ليست مرضا في الأفراد وحدهم، ولا شهادة براءة للدولة وحدها. إنها إنذار مزدوج : إنذار من مواطنين يبيع بعضهم مواقفه حين تتغير البيئة، وإنذار من مؤسسات تجعل الصدق مكلفا، والشكوى بلا جدوى، والفرصة امتيازا محجوزا. معالجة الإنذار لا تكون بكسر ميزان الحرارة، بل بخفض حرارة المجتمع نفسها عبر عدالة يشعر بها الناس، حرية مسؤولة، اقتصاد يفتح الأبواب، وتعليم يصنع عقولا لا رعايا. عندها فقط سيصبح الانتماء اختيارا واعيا لا قناعا، وستصبح المعارضة تصحيحا للمسار لا انتقاما من الوطن.