
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في كل سنة، ومع اقتراب موعد تنظيم موسم “مولاي عبد الله أمغار”، يتحول إقليم الجديدة إلى قبلة لملايين الزوار من مختلف جهات المملكة. حدث تراثي وثقافي عريق يمتد لعشرة أيام، يتدفق خلاله ملايين البشر، وتُنصب فيه آلاف الخيام، وتساهم فيه أكثر من مئة سربة من فرسان التبوريدة. لكن خلف هذا الزخم الشعبي الضخم الذي يحقق رواجاً اقتصادياً يصل إلى مليارات السنتيمات، تختبئ جماعة مولاي عبد الله أمغار وراء خطابات وتصريحات لا تعكس الواقع المرير الذي يعيشه المواطنون، لا فقط خلال أيام الموسم، بل طيلة أيام السنة.

أثناء متابعتي للندوة الصحفية التي نظمها مؤخراً رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار، السيد مولاي المهدي الفاطمي، لاحظتُ باهتمام كيف يدافع الرجل باستماتة عن فريقه وعن بعض الشخصيات المؤثرة في الإقليم، مبرزاً حجم العمل المنجز والتخطيط الذي تم للموسم. من استمع إليه، قد يتبادر إلى ذهنه للوهلة الأولى أنه أمام رئيس جماعة ترابية سيطر على جميع مشاكل الجماعة وانجزها ولو بنسبة 50 بالمائة، وفي المقابل يعمل على استحضار كل الطاقات المحلية لضمان نجاح التظاهرة. ولكن لا يكاد المرء يمرر هذا الخطاب الإعلامي حتى تتلاشى هذه الصورة المثالية عند أول احتكاك مباشر مع واقع الجماعة، فقد ذهبتُ مؤخراً في زيارة ميدانية لجماعة مولاي عبد الله أمغار كانت يوم أمس الثلاثاء 28 يوليوز الجاري، ففوجئت بأن السيد الرئيس يعيش في وادٍ، وهموم ساكنة الجماعة تعيش في وادٍ ثانٍ، بينما الواقع على أرض الجماعة نفسها يرزح في وادٍ ثالث أكثر كآبة وسوءاً.

جماعة مولاي عبد الله تفتقد إلى الحد الأدنى من الإصلاحات في جل المناحي، وعلى رأسها البنية التحتية المتردية والعشوائية المستشرية في تخطيط الأحياء والطرق والصرف الصحي. ولربما أن السيد عامل إقليم الجديدة لم يسبق له أن تجول بين أزقة ومجمعات هذه الجماعة، وإلا لكانت له وقفة أخرى. وحتى وزارة الداخلية، يبدو أن اهتمامها محصور فقط في الموسم السنوي، وتكاد لا تعرف شيئاً عن حجم الإهمال المزمن الذي تعاني منه الجماعة في باقي الأشهر، وهذا وضع عادي تعاني منه أغلب الجماعات القروية في البلاد وليست جماعة مولاي عبد الله أمغار استثناء.

لكن دعونا ننقل لكم ولو بشكل عابر الفضاعة التي صادفتنا أثناء زيارتنا الميدانية، نحن نتحدث هنا عن أعمدة كهربائية وسط طرق معبدة. هذا المنظر الشاذ، الذي كنتُ أظن أنه حكراً على صور ساخرة أو أوضاع معيشية متردية في بعض الدول المجاورة، إلا أنني تفاجأت برؤيته بعيني مباشرة في جماعة مولاي عبد الله. كيف يمكن لجماعة تستقبل سنوياً مئات الآلاف، بل الملايين من الزوار، أن تسمح بوجود أعمدة كهربائية في وسط الطريق المعبد؟ هذا المنظر ليس مجرد “خطأ” في التخطيط، بل هو إهانة للمكانة التي يتبوؤها إقليم الجديدة، خاصة وأن زوار هذا الموسم تحديدا يتجاوزون أحياناً المليون زائر في ظرف أيام معدودة. وهذا المنظر يتفاقم مع مشهد الحفر المنتشرة في طرقات الجماعة، والتي باتت تشكل خطراً حقيقياً على السائقين والمارة على حد سواء.

قد يكون المبرر الجاهز دائماً من طرف مسؤولي الجماعة هو ضعف الميزانية. صحيح أنني لا أملك وثائق الميزانية العامة للجماعة، ولا أعرف حجم استثماراتها الحالية، فربما تكون جماعة مولاي عبد الله أمغار جماعة فقيرة وتعيش عجزاً مالياً. ولكن هذا العجز المالي لا يشفع مطلقاً لمجلسها الجماعي بتمرير مشاريع فيها هذا الكم من الارتجال، ولا يشفع لهم أن يضعوا أعمدة كهربائية وسط طريق معبد، أو أن يعلنوا عن صفقات أشغال دون مراقبة حقيقية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : ألا يوجد في جماعة مولاي عبد الله تقنيون يراقبون المشاريع المنجزة؟ وأين هو دور سلطة الرقابة، فالسلطة المحلية التي من المفترض أن أعينها لا تنام؟ ألم يلاحظوا هذا الخلل الفادح في التصميم قبل وأثناء الأشغال؟ أم أنهم رأوا المنظر وأقروا به في صمت؟

إن ما يعيشه المواطن في جماعة مولاي عبد الله أمغار اليوم هو تجسيد حي لمعاناة التهميش التنموي وضعف التدبير المحلي. إن تنظيم موسم ضخم بميزانيات خيالية بينما يعيش المركز الحضري للجماعة كارثة بنيوية مستمرة، دليل قاطع على اختلال في الأولويات وضعف في مسلكيات التدبير. نطالب السلطات الرقابية المختصة، من عامل إقليم الجديدة إلى الأجهزة الرقابية التابعة لوزارة الداخلية، بالتحرك الفوري ومراقبة المشاريع المبرمجة والمقترحة في الجماعة. فالجماعة الترابية مسؤولة مباشرة عن سلامة ومستقبل مواطنيها، ولا يمكن أن تستمر في تقديم خطاب سياسي فضفاض بينما تتردى أوضاع البنية التحتية أمام أعين الجميع.

ولمشاهدة هذه الحالة الشاذة المرجو :