
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يبدو أن الاستعدادات الجارية لإسناد الخريطة السياسية في إقليم بنسليمان تنبئ بزياحات جذرية قد لا تكون منصفة بالضرورة لكل الأطراف، بل إنها تعكس تحولات عميقة في طبيعة اللعبة الانتخابية وتوزيع القوى المحلية. فمنذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، كانت الانتخابات البرلمانية في هذا الإقليم شبه محسومة لصالح أسماء بعينها، أو بدقة أكبر، لصالح عائلات سياسية عريقة حكمت المشهد المحلي لعهود طويلة. لقد انحصرت المنافسة البرلمانية في دائرة ضيقة تضم في الغالب خمسة أسماء لامعة تمثل تراثاً سياسياً واجتماعياً متجذراً، وعلى رأس هذه العائلات نذكر آل عكاشا، وآل الدهي، وآل الزيدي، وآل المباركي، فضلاً عن آل الرشادي.
ومع مرور الزمن وتغير الظروف، شهدت هذه الدائرة السياسية تحولات داخلية تمثلت في انسحاب بعض الأسماء وصعود أخرى، فقد شهدت الساحة سقوطاً مدوياً لاسمين بارزين وهما آل المباركي وآل الرشادي، بينما برزت في المقابل نجوم جديدة حملت مشعل الزعامات المحلية، وعلى رأسهم كريم الزيادي، ومحمد كريمين، والحاج امبارك العفيري. غير أن الولاية التشريعية الحالية، التي نقترب فيها من نهاية فترتها، تشهد موجة انسحاب غير مسبوقة، حيث سيغيب عن مشهد المنافسة ثلاثة أسماء وازنة كانت حتى الأمس القريب تضرب لها “ألف حساب”، وهم السادة سعيد الزيدي، ومحمد كريمين، والحاج امبارك العفيري، ليتركوا وراءهم فراغاً كبيراً في خريطة القوى المحلية.
وفي خضم هذا التفريغ للمشهد السياسي، يبرز بجانب الأسماء التي صمدت في خضم المعترك (عكاشا، الزيادي، والدهي)، اسم جديد يحمل في طياته الكثير من المفارقات، إنه رياض مزور، وزير الصناعة في الحكومة والممثل عن حزب الاستقلال. يُعتبر الوزير الاستقلالي المرشح الوحيد القادم من خارج هذه الدائرة الضيقة التقليدية، بل إنه، بحكم كونه ليس من أبناء المنطقة، يوصف في الاصطلاح المحلي بـ “البراني”، وهي التسمية التي تحمل في طياتها نظرة المجتمع القروي إلى من ليس من جغرافيا المنطقة، مما يضعه أمام تحدٍ ثقافي واجتماعي كبير في إقليم قروي لا يرحم.
إن إقليم بنسليمان، بكل خصوصياته الاجتماعية، لا يعترف بالولاء الحزبي المجرد، ولا يُقدر التكوين الأكاديمي الرفيع بقدر ما يقدس قيم القبلية والطائفية، بل إن المال يعد في مراتب عديدة العملة الرابحة والأقوى في هذه المعادلة المعقدة، حيث يقدمه البعض على الاعتبارات القبلية والعشائرية نفسها. وفي ظل هذه المعطيات، جاء معالي الوزير إلى هذه المنطقة مدفوعاً بأقدار سياسية، لكنه سرعان ما وجد نفسه في مواجهة ثقافة اجتماعية وسياسية يصعب اختراقها أو استيعابها بسهولة.
لقد تقاذفت معالي الوزير أمواج الاختلاف، ليس بشأن مصير الإقليم وسبل تنميته، بل بسبب المكاسب الشخصية والصراعات الحزبية الضيقة، مما أدخله في دوامة من النفاق الاجتماعي والسياسي المقيت، حيث يكتشف المراقب أن تحالفات الأمس تتحول إلى خصومات اليوم. والسبب في ذلك أن بعض المنتمين لحزبه اقليميا، بل وحتى بعض رؤساء الجماعات الترابية، لن يمدوا له يد الدعم في الانتخابات المقبلة لأنهم ببساطة ليسوا استقلاليون بل تم تزكيتهم فقط إبان الانتخابات الجماعية والدليل على ذلك رئيس جماعة بنسليمان تدرج داخل جميع الاحزاب كان اخرها حزب الحركة الشعبية ثم حزب الاستقلال وغذا قد يصبح اشتراكيا او من الاحرار من يدري؟، بل سيتحولون إلى خصوم شرسين له، إذ أن “الكل يغني على ليلاه”، و”ليلى” التي تغنى لهم لن تنفع الوزير ولن تكون سبباً في إنقاذه، بل ستكون سبباً رئيسياً في سقوطه فالكل يعرفها إلا الوزير، لأن النفاق في هذا الإقليم يكون أقوى وأخطر من الكفر الصريح، وغياب بعضهم عن عشاء مليلة ليس له ما يبرره.
إن المشهد الانتخابي في بنسليمان يقدم درساً قاسياً في كيفية تعاطي المجتمع السليماني مع النخب الوافدة، وكيف أن الموروث الاجتماعي يطغى أحياناً على التوجهات الحزبية. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في الاستراتيجيات السياسية المعتمدة، حيث نتمنى أن يعيد معالي الوزير حساباته بعناية، وأن يشرك ذوي النيات الحسنة وأصحاب الأيادي البيضاء في عملية المشورة، متجنباً الوقوع في فخ المداحين والطبالين وممتهني الكلام المجرد. فالسياسة في بنسليمان لا تحتمل الاستخفاف، ولا تؤتي ثمارها إلا لمن يفهم جيداً جغرافيتها البشرية والاجتماعية، وإلا فإن ليلى ستبقى مجرد أغنية لا تحمي صاحبها من تقلبات العاصفة.
أرجو من الله أن يلتقط معالي الوزير الإشارات وسلم لي على ليلى…