
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لا يحتاج المرء إلى عدسة مصحح أو نظرية في الإعلام لكي يدرك أن ثمّة مسافة شاسعة بين ما يُروَّج له وما يُعاش. أحيانا تكفي دقيقة واحدة، بهاتف عادي، في شارع واحد، لينهار جبل من البيانات الصحفية و الليفات والتدوينات المنسَّقة وحملات التواصل المضللة التي لم تبخل بشيء إلا بالحقيقة.

هذا بالضبط ما وثّقته عدسة “مواطني نيوز” عشية يوم السبت 20 يونيو 2026، في شريط لا تتعدى مدته ستين ثانية، لكنه يختزل المشهد كاملا. المشهد الذي يفترض، وفق الرواية الرسمية وحملتها التي سخّرت لها جيشا من الحسابات والهواتف تحت شعار “زيرو فراشة”، أن يكون مشهدا لمدينة تحرَّر ملكها العام واستعادت وجهها الحضاري. غير أن ما تلتقطه العدسة شيء، وما تروّج له البيانات شيء آخر تماما.

نحن هنا لا نتحدث من وراء حجاب، ولا ننقل عن ناقل. نسكن في بنسليمان. نمر من الشارع نفسه كل يوم. الشارع الذي اختارته الحملة عنوانا ولم تختره الجرافات ورشا. الشارع نفسه، الذي كان قبل الحملة متهالكا ومدمرا، وما زال بعدها متهالكا، بل إن اللوحة الإشهارية للحملة لم تزد المشهد إلا مفارقة مريرة : كلمات أنيقة على واجهة، وخرسانة متصدعة على بعد أمتار.

وهنا يُطرح السؤال الذي لا مفر منه : عن أي حملة تتحدثون؟ وعن أي مدينة؟ إن كان المقصود مدينة بنسليمان، فالمسألة لا تحتاج إلى تحقيق استقصائي معقَّد. تحتاج فقط إلى من يمسح عدسة هاتفه جيدا، وينظر. أن ينظر إلى الشارع و الأسواق العشوائية التي تسيطر عليه و الباعة المنتشرون حتى داخل الشارع العام، لا إلى الشاشة. أن يقارن بين ما تقوله “الليفات” وما تقوله الأرض. فإن لم يجد ما يبحث عنه، فلعل الحملة استهدفت مدينة أخرى، سهوا، ووصل صداها إلينا بالخطأ.
لا نطلب أكثر مما تفرضه أبجديات الصحافة، أن يُعرض الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. وأن تُحترم عقول المتلقين فلا يُقدَّم لهم البخار على أنه مطر. وما دامت الكاميرا لا تكذب، فإن شريطا واحدا قد يكون أبلغ من ألف لايف أو تطبيل كان سببا في خراب هذه المدينة على مر العصور. ولمن أراد الحقيقة في دقيقة عليه بالضغط أسفله..