بلجيكا : أكثر من نصف الفلمنكيين يرفضون إنشاء مسجد في أحيائهم والخوف من “الاستبدال الديموغرافي” لا يزال قائماً

مسجد التوحيد في غنت

الحسين بنلعايل – موطني نيوز

كشف استطلاع اجتماعي واسع النطاق أجرته قناة VRT البلجيكية تحت مسمى “صورة فلاندرز٠!أن أكثر من نصف سكان إقليم فلاندرز يرفضون وجود مسجد في أحيائهم السكنية، فيما تواصل مخاوف ما يعرف بـ”الاستبدال الديموغرافي” حضورها القوي في الوجدان الجمعي للمجتمع الفلمنكي. يُجرى هذا الاستطلاع منذ عام 2009 بإشراف مكتب “بروفاكتس” المستقل للدراسات، وشمل عيّنة تمثيلية قوامها 2261 مشاركاً تجاوزت أعمارهم 12 عاماً، مع مراعاة التوزيع الجغرافي والفئات العمرية والمستويات التعليمية.

أبدى 60% من المشاركين قلقهم من الحضور الإسلامي في فلاندرز، وتصدّرت الفئتان العمريتان من 45 إلى 64 ومن 65 فما فوق هذا التوجه بنسبتَي 65% و67% على التوالي، وإن سجلت هذه الأرقام تراجعاً طفيفاً مقارنة بعامَي 2023 و2024. ولافت للانتباه أن الفئة الشبابية بين 12 و17 عاماً سجّلت نسبة 61% مع ميل تصاعدي رصده الباحثون. أما مخاوف الاستبدال الديموغرافي، فقد أبدى 56% من المشاركين موافقتهم على العبارة التالية: “أخشى أن يُستبدل الفلمنكيون تدريجياً بالمهاجرين والوافدين من الخارج”، وتصدّرت الفئات الأكبر سناً هذه النتيجة أيضاً، فيما بلغت النسبة عند من تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً 58%.

لا يتجاوز ربع الفلمنكيين (23%) من يُعلنون انفتاحهم على بناء مسجد بالقرب من مساكنهم، في مقابل 52% يعارضون ذلك صراحةً. والمثير في هذه النتيجة أن بعض من لا يبدون تحفظاً على الإسلام أو المسلمين بشكل عام يتحولون إلى معارضة حين يقترب الأمر من محيطهم المباشر؛ إذ أفاد 17% ممن لا يساورهم قلق من الإسلام، و22% ممن لا يخشون الاستبدال الديموغرافي، برفضهم وجود مسجد في جوارهم.

وتبقى المسائل اللغوية الأكثر إثارة للانقسام. فقد كشف الاستطلاع أن 32% من الفلمنكيين لا يرون حرجاً في استخدام الكلمة العنصرية المهينة للسود في بعض السياقات، في حين يرفض ذلك 43%. ويتسع الفارق بين الأجيال بوضوح: الفئة بين 18 و24 عاماً تسجّل أدنى نسبة قبول بـ19%، بينما ترتفع لدى من تجاوزوا 45 عاماً إلى ما بين 37% و38%. وعلى صعيد مماثل، يرى 57% أن مسمى “سوق عيد الميلاد” يجب أن يبقى كما هو دون استبداله بتسمية محايدة كـ”السوق الشتوي”، وترتفع نسبة الرافضين لهذا التغيير إلى 67% لدى من تجاوزوا 65 عاماً، مقابل 41% فقط عند الشريحة بين 18 و24 عاماً.

يرى الفيلسوف الأخلاقي باتريك لوبويك من جامع أنتويرب وجامعة غنت أن هذه النتائج تعكس صراع الفلمنكي مع وتيرة التحولات الاجتماعية المتسارعة. “هم قلقون بشأن قضايا جوهرية تخص هويتهم ومستقبل فلاندرز ومكانة ساكنيها الأصليين”، يقول لوبويك، مضيفاً أن التنوع لم يعد حكراً على المدن بل بات ملموساً في كل مكان، وهو ما يُشعر الناس به في المدارس والحياة اليومية. غير أنه يُحذّر في الآن ذاته من الروايات المتطرفة التي تزعم وجود مخططات نخبوية لاستبدال الشعوب الغربية، معتبراً إياها لا تزيد إلا في تضخيم القلق القائم. ويستدرك قائلاً إن التعايش الفعلي بين مختلف الفئات يظل أنجع الوسائل لتبديد المخاوف، إذ “كلما زاد الانفصال، زاد انعدام الثقة، وكلما تشارك الناس التجارب على قدم المساواة، تراجعت الأحكام المسبقة.” ويختتم بثقة : “حتى لو جال سائح في فلاندرز بعد عشرين عاماً، فسيظل واضحاً له تماماً : هذا هو فلاندرز.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *