
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
مع كل عيد أضحى يتكرر نفس المشهد في بلجيكا: أسر مسلمة تمنع من ممارسة شعيرة الذبح وفق الطريقة الإسلامية، وبيوت تُفتش صباح يوم العيد، وأطفال يُحرمون من فرحة العيد. لكن المأساة أكبر مما يتصور البعض. حتى الجالية اليهودية مُنعت من ذبح الكاشير وفق شريعتها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم : من يتحمل المسؤولية؟
الجالية المغربية ببلجيكا تناهز 180 ألف شخص، أي ما يقارب 10% من سكان العاصمة بروكسيل وحدها. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن حوالي 170 ألف مغربي محرومون عملياً من أكل اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية داخل البلاد. منع الذبح الحلال بقانون فلاندر و ولونيا يعني أن الأغلبية الساحقة من الجالية المغربية مجبرة على شراء لحوم مستوردة باهظة الثمن، أو التخلي عن شعيرة دينية واضحة في دينها. هذا ليس تنظيماً، هذا تضييق مباشر على الحرية الدينية. والمفارقة أن نفس القانون يمنع الذبح الكوشر، أي أن الدولة تستهدف شعيرتين دينيتين في آن واحد : الإسلام واليهودية. يهود بلجيكا، ومعهم أبناء الجالية اليهودية المغربية، وجدوا أنفسهم في نفس الخندق مع المسلمين. هذا يثبت أن المعركة ليست ضد المسلمين فقط، بل ضد أي مظهر ديني غير علماني في الفضاء العام.
وهنا يأتي السؤال المحوري : أين الشيخ الطاهر التجكاني رئيس المجلس العلمي المكلف بالتأطير الديني والعلمي والإشراف على الشعائر الدينية بالجالية المغربية ببلجيكا؟ هذا الرجل عُيّن من طرف المملكة المغربية، وتأتيه أموال باهضة من المغرب ليقوم بدوره في الدفاع عن حقوق الجالية الدينية والترافع عنها أمام السلطات البلجيكية. لكن الواقع أن الجالية لا ترى أي تحرك ملموس. وحين يُسأل عن منع الذبح الحلال وتفتيش البيوت يوم العيد، يكون الجواب المتكرر: “لا أعلم”. 170 ألف مغربي محرومون من أبسط حقوقهم الدينية، ورئيس المجلس العلمي المكلف بالدفاع عنهم نائم نوم أصحاب الكهف. هذا الوضع يطرح سؤالاً مشروعاً: هل الأموال العمومية تُصرف للترافع والدفاع، أم للصمت والغياب؟
وليس الشيخ وحده من يتحمل العار، بل هناك المنتخبون المغاربة في البرلمانات البلجيكية. وصل عدد من أبناء الجالية المغربية إلى البرلمان الفيدرالي وبرلمانات الأقاليم والحكومات المحلية بأصوات الجالية. لكن عند أول اختبار حقي، عند منع الحلال والكاشير وتفتيش البيوت يوم العيد، يختفي الصوت. هل أصبح الكرسي الحكومي أهم من الدفاع عن حقوق الناخبين؟ هل يخشى المنتخب أن يُتهم بالطائفية إذا دافع عن شعيرة دينية؟ المواطن لم ينتخبه ليتزين بالصور، بل ليدافع عنه حين يُمسّ دينه وحريته. أين بياناتهم الاستنكارية؟ أين أسئلتهم البرلمانية؟ أين تحركاتهم الدبلوماسية؟ الصراخ في المناسبات الانتخابية وحدها لا يصنع وطناً.
أما جمعيات “الحلال” و”الكاشير” في بلجيكا، فحدِّث ولا حرج. عشرات الجمعيات تحمل اسم “الحلال” و”الكاشير” وتجمع الأموال باسم خدمة المسلمين واليهود. دورها المفترض هو الترافع القانوني والضغط السياسي. لكن الواقع أن أغلبها تتحول إلى مقاولات تجارية للمصادقة على اللحوم، دون أي حضور ميداني يوم يتعرض المواطن للتضييق. أين البيانات؟ أين الدعاوى القضائية أمام المحكمة الدستورية البلجيكية ومحكمة العدل الأوروبية؟ أين حملات التوعية الإعلامية؟ الصمت هنا تواطؤ، والتقاعس خيانة للأمانة.
خلاصة القول إن أكل الحلال والكاشير حق ديني يكفله الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان والمادة 9 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. منعهما أو التضييق عليهما اعتداء صريح على الحرية الدينية. على الدولة المغربية أن تحاسب من يُدفع لهم من مال الشعب للترافع عن الجالية، وإلا فلتوقف هذه الهدر. على المنتخبين المغاربة ببلجيكا أن يختاروا : إما الدفاع عن 170 ألف مغربي أوصلهم للبرلمان، أو البقاء ديكوراً انتخابياً يُستخدم ثم يُرمى. وعلى الجمعيات أن تتوقف عن التجارة باسم الدين وتتحرك فعلياً في المحاكم والإعلام. وإلا، فلا تلوموا الشباب إذا شعروا أن هذا الوطن الثاني لا يريدهم إلا مستهلكين صامتين، وأن من يفترض أن يدافع عنهم ليس إلا تمثيلية باهظة الثمن. الحرية الدينية ليست منّة، بل حق. والمدافعون عن الحقوق ليسوا رجال استعراض، بل رجال مواقف. فأين هم؟