خروف العيد يقود صفوف المعارضة

الأستاذ محمد كفيل الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة

بقلم ذ . محمد كفيل – موطني نيوز 

لم تعد المعارضة السياسية وحدها من تنتقد الحكومة أو تكشف حجم الغضب الاجتماعي المتصاعد، بل إن “خروف العيد” نفسه دخل على الخط، وتحول هذا الموسم إلى معارض شرس يفضح بالأرقام والأسعار ما آلت إليه الأوضاع المعيشية للمغاربة.

ففي كل سوق، وأمام كل ثمن صادم، ترتفع لغة الاحتجاج بصمت، ويكتشف المواطن أن الكبش صار أقوى من كل الخطب السياسية، لأنه يتحدث مباشرة إلى جيبه المنهك وقدرته الشرائية المتآكلة.

لقد تحول خروف العيد إلى “فاعل سياسي” بامتياز، وإلى أكبر معارض صامت للحكومة، بل ربما إلى أقوى حملة انتخابية سابقة لأوانها ضدها.

فحينما يصبح ثمن الأضحية فوق قدرة فئات واسعة من الشعب، فإن الأمر لا يتعلق بالسوق وحده، بل بفشل سياسات، وارتباك تدبير، وغياب رؤية اقتصادية واجتماعية حقيقية.

الحكومة التي خرجت قبل أشهر تتحدث عن “الإجراءات الاستباقية”، وعن “دعم الاستيراد”، وعن “تخفيف الضغط على الأسعار”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر قسوة من كل البلاغات الرسمية.

ملايير صُرفت من المال العام تحت عنوان دعم استيراد الأغنام والأبقار، ووعود قُدمت للمغاربة بأن الأسعار ستعرف انفراجاً، لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً :

الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تنهار، والمواطن يتساءل: أين ذهبت تلك الأموال؟ ومن استفاد منها فعلاً؟

المفارقة المؤلمة أن الدولة ذهبت بعيداً في اتخاذ إجراءات استثنائية؛ إلغاء شعيرة العيد السنة الماضية حفاظاً على القطيع الوطني، تشجيع الاستيراد، تقييد ذبح إناث الأغنام، والتعويل على التساقطات المطرية الأخيرة لإنعاش المراعي وتخفيف كلفة التربية…

ومع ذلك، ما زال المواطن يصطدم بأرقام أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الاجتماعي للمغاربة.

هنا يطرح السؤال الكبير نفسه بقوة :
إذا كانت كل هذه الإجراءات لم تنجح في خفض الأسعار، فما الذي نجح إذن؟

وإذا كان المواطن لا يلمس أثراً مباشراً لكل تلك التدابير، فكيف يمكن إقناعه بأن الحكومة تتحكم فعلاً في السوق وفي آليات الحماية الاجتماعية؟

إن الأزمة لم تعد فقط أزمة أضحية، بل أصبحت أزمة ثقة.

لأن المواطن حين يسمع عن الملايير التي صُرفت ثم لا يرى أي أثر لها، يشعر بأن هناك فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمي والواقع.

وحين يرى أن الأسواق تشتعل رغم كل التدخلات، فإنه يقتنع بأن الحكومة إما عاجزة عن ضبط الوضع، أو أنها فقدت القدرة على فهم ما يجري داخل المجتمع.

الأخطر من ذلك، أن “كبش العيد” كشف حقيقة سياسية قاسية :

أن الحكومة فقدت الاتصال النفسي والاجتماعي مع المواطن البسيط.

فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات بالمؤشرات الماكرو اقتصادية ولا بتقارير النمو المجردة، بل يقيسها بقدرته على شراء اللحم، والخضر، والزيت، وأداء فواتيره، والحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.

لقد تحول العيد، الذي كان مناسبة للفرح والتكافل، إلى موسم للقلق والتوتر الاجتماعي.

أسر كثيرة أصبحت تدخل الأسواق فقط للسؤال ثم تغادر بصمت.

وآباء كثر باتوا عاجزين عن إخفاء ارتباكهم أمام أبنائهم.

أما الطبقة المتوسطة، التي كانت تشكل صمام التوازن داخل المجتمع، فقد أصبحت هي الأخرى تتآكل تحت ضغط الغلاء المتواصل.

السياسة ليست فقط انتخابات وصناديق اقتراع.
السياسة أيضاً هي قدرة المواطن على العيش بكرامة.
وحين تفشل الحكومة في هذا الامتحان، فإن كل إنجازاتها الأخرى تصبح بلا معنى في نظر الناس.

لهذا يمكن القول اليوم، دون مبالغة، إن أكبر حملة انتخابية ضد الحكومة لا يقودها خصومها السياسيون، بل يقودها “كبش العيد” نفسه.

ذلك الكبش الذي أصبح سعره بياناً سياسياً، ورقماً انتخابياً، ورسالة احتجاج صامتة تتنقل يومياً بين الأسواق والأحياء الشعبية والبيوت المغربية.

وفي النهاية، قد تنجح الحكومات أحياناً في التحكم في الخطاب، وفي تبرير القرارات، وفي تسويق الأرقام…

لكنها لا تستطيع أبداً أن تفاوض جيب المواطن.
فحين يصرخ السوق، تسقط كل البلاغات.ض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *