
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
تُعد الانتخابات في أي نظام ديمقراطي حجر الزاوية الذي يقوم عليه بناء الشرعية والمشاركة الشعبية. ومع ذلك، فإن هذه العملية، في سياقات معينة، قد تتحول من أداة للتقدم إلى مصدر للإحباط، لا سيما عندما تتداخل فيها عوامل الجهل، غياب الوعي، وهيمنة المال السياسي. في المغرب، تتجلى هذه التحديات بوضوح، حيث تطرح العملية الانتخابية تساؤلات عميقة حول مدى قدرتها على التعبير الحقيقي عن إرادة المواطنين في ظل إخفاقات متكررة وظاهرة شراء الذمم.
إنني أرى أن فكرة جوهرية مفادها أن “الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل”، وأن صندوق الاقتراع، في غياب الوعي، قد يتحول إلى “أداة فناء جماعي”، تتقاطع بشكل لافت مع النقاشات الدائرة في الساحة السياسية المغربية. فالأغلبية غير الواعية قد تقرر مصير الجميع، مما يؤدي إلى نتائج كارثية، ويبرز أن “العقل الجماعي الجاهل” ينساق وراء الشعارات العاطفية بدلاً من البرامج الواقعية. هذه الدينامية تفتح الباب واسعاً أمام التلاعب بالناخبين، وهو ما يجد صداه في ظاهرة شراء الأصوات.
تُشكل ظاهرة المال السياسي وشراء الذمم أحد أبرز الإخفاقات التي تواجه العملية الانتخابية في المغرب، وتُهدد جوهر الممارسة الديمقراطية. فكما تعلمون، فإن المال السياسي لم يعد مجرد تجاوزات معزولة، بل تحول إلى “منظومة متكاملة تُعيد تشكيل التنافس السياسي وتؤثر في مخرجاته”. بحيث لا يقتصر تأثير المال السياسي على شراء الأصوات بشكل مباشر، بل يمتد ليشمل آليات أكثر تعقيداً، مثل بناء شبكات ولاءات قائمة على تقديم الخدمات والمنافع، مما يحول العلاقة بين الناخب والمرشح إلى علاقة تبعية ونفعية. هذا التلاعب بالعقول يفرغ الانتخابات من مضمونها كاختيار حر قائم على البرامج والرؤى، ويجعلها صراعاً غير متكافئ تحسمه القدرة على الإنفاق والتأثير. وقد سبق واستنكر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السابق، سعد الدين العثماني، ما أسماه “الشتا ديال الفلوس” التي توظف في الانتخابات. كما أشار نبيل بن عبد الله إلى “البيع والشراء في الذمم” الذي يحدث في انتخابات المستشارين. وتتفاقم هذه الظاهرة في السياقات التي تعاني من ضعف المؤسسات الرقابية، وغياب الشفافية، وهشاشة الأوضاع الاجتماعية في عز ازمة غلاء الأسعار. فالناخب الأكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية يكون أكثر قابلية للتأثير عليه بالوسائل المادية. وقد ذهب البعض إلى حد القول بأن أصوات الانتخابات كانت ولا زالت تشترى بالخمور والمخدرات.
هذا و تتجاوز تداعيات المال السياسي النتائج الانتخابية لتؤثر في بنية النظام السياسي ككل. إذ تؤدي إلى إعادة إنتاج نخب تعتمد على النفوذ المالي بدل الشرعية الشعبية، وتُقصي الكفاءات التي لا تملك الموارد الكافية لخوض المنافسة. هذا الوضع يؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين في العملية السياسية، ويتراجع الإقبال على المشاركة، في مؤشر واضح على أزمة عميقة في الشرعية الديمقراطية. لأن النقاشات السياسية في المغرب غالباً ما تحذر من استمرار تحكم “المال والسلطة والأعيان” في مخرجات العملية الانتخابية. وقد صنف تقرير دولي المغرب ضمن قائمة الدول التي تواجه “احتمالاً مرتفعاً للعنف الانتخابي” خلال عامي 2025-2026. هذه المعطيات تؤكد أن الإخفاقات ليست مجرد حوادث فردية، بل هي جزء من تحديات هيكلية تواجه المسار الديمقراطي في البلاد.
إن مواجهة تأثير المال السياسي وإخفاقات العملية الانتخابية تتطلب رؤية إصلاحية متكاملة. يجب تعزيز الشفافية في تمويل الحياة السياسية، وفرض قواعد واضحة للإفصاح عن مصادر الأموال وأوجه صرفها. كما أن دعم استقلالية أجهزة الرقابة وتطوير أدواتها باستخدام التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يسهم في كشف التجاوزات بشكل أكثر فعالية. حيث يظل الإعلام الحر والمجتمع المدني عنصرين أساسيين في رصد الانحرافات وكشفها للرأي العام. ولكن الرهان الأكبر يبقى على وعي المواطنين، فرفض تحويل الصوت الانتخابي إلى سلعة يمثل خط الدفاع الأول عن نزاهة العملية الديمقراطية. وكما أرى وهذا رأي الشخصي، فإن “الوعي أولاً، ثم القرار”، مؤكداً أن التعليم والتوعية السياسية يجب أن يسبقا ممارسة الحق الانتخابي لضمان نتائج إيجابية.
إن الانتخابات في المغرب، شأنها شأن العديد من الدول، تواجه تحديات حقيقية تتطلب مقاربة شاملة. فالصراع بين منطق الديمقراطية القائم على المساواة في الحقوق السياسية، ومنطق المال القائم على التفاوت في الموارد، هو صراع مستمر. وحماية الانتخابات من سطوة المال ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي معركة من أجل صون الإرادة الشعبية، وضمان أن تظل السلطة تعبيراً حقيقياً عن اختيار المواطنين، لا نتيجة لقدرة البعض على التأثير المالي. في هذا التحدي، يتحدد مستقبل الديمقراطية ومصداقيتها في المغرب.
وكما هو معلوم بحسب الإحصائيات الرسمية في انتخابات 2021 فإن نسبة المشاركة كانت جد متواضعة (50.35%) و تعني أن نصف الناخبين المسجلين فقط عبّروا عن رأيهم. و هذا الرقم تحسن عن 2016 الذي بلغ (43%) فقط بفضل الجمع بين الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية، لكنه يظل منخفضًا عالميًا ويُشير إلى انفصال تام بين المواطنين والأحزاب السياسية. فالشباب خاصة (18-24 سنة) سجلوا بأقل نسبة (حوالي 33.6% فقط)، والمناطق الحضرية شهدت مشاركة منخفضة جدًا مثل 19.8% في بعض دوائر الدار البيضاء.
في حين الأصوات الملغاة كاحتجاج في بعض المدن، بلغت نسبة كبيرة وتُفسر كتعبير عن الاستياء من الأحزاب أو العملية السياسية برمتها. وما ستشهده الإنتخابات التشريعية لهذه السنة 2026 سيكون كارثيا بسبب تعنت الحكومة واهانتها للشعب المغربي، ناهيك عن الارتفاع الصاروخي للأسعار وما رافقها من إحتجاجات ونزول للشارع وتدني الخدمات وتراجع الحريات والإنتشار المفزع للفساد وهو ما أسفر عن العديد من الإعتقالات وأحكام العزل و التجريد، وهو ما جعل الشعب المغربي يفقد الثقة في الاحزاب السياسية والحكومة.