
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
يقال عن العرب أنها أمة لا تقرأ، نضحك أو نتظاهر بالضحك، لأنه من المفارقات المؤلمة أن تكون أمة “اقرأ” أشد الأمم هروبًا من الكلمة، لكن هذه الفضيحة ليست وحدها ما يُثقل كاهلنا، فنحن أهل نفاق أخلاقي راسخ متجذّر في العظم، نُحرّم في الشرق ما نمارسه في الغرب دون أن يرفّ لنا جفن.
سأفاجئك بأن الرجل العربي يتخلّى عن “شرقيّته” بسرعة مذهلة ما إن تطأ قدماه أرضًا أوروبية، فهو مستعد أن يبيع كل شيء ليصبح “أوروبيًا” بكل ما تحمله الكلمة، أن يتزوج بمن لا يحبّ طلبًا للأوراق، أن يرتمي في أحضان من تجعل منه رقمًا في سجلات الهجرة الشرعية، وذنبه الوحيد أنه وُلد في وطن لا يعترف بأبنائه ولا يستحق دموعهم. نحن شعب مبهور بالغرب حدّ الذوبان، يظن كثيرون منّا أن العالم الآخر يُوزَّع فيه الحرية كالخبز، والمال كالهواء، والحياة كالماء، دون ثمن ودون ألم.
نتحدث عن الوطن بنبرة من فقد شيئًا لم يملكه يومًا، بكراهية مكتومة وشماتة مؤلمة وجفاء يقطر حسرة، لأن حكّام العرب أفلحوا فيما لم يُفلح فيه الأعداء، انتزعوا من قلوبنا آخر بذرة انتماء، وأخمدوا آخر جمرة مواطنة، ولم يتركوا في عقولنا إلا بعض التاريخ بلا جغرافيا، وبعض الذكريات بلا مستقبل، وكثيرًا جدًا من الرغبة في الهروب. والوطن العربي بتناقضاته القبلية ومستنقعاته الفكرية السلفية المتحجّرة، لا يُغري بالبقاء ولا يدفع إلى تقبّل الواقع، فأصبح الرحيل إلى بلدان الحرية قدرًا لا مفرّ منه ولو سباحتا في المحيط، وملاذًا لكل من أنهكته الشعارات الجوفاء وخطب العويل التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
لا أصدّق لحظة واحدة من يتحدث عن العودة إلى الوطن، سواء من باب الحنين الموسمي الرخيص، أو من باب النفاق المُعلَن، فمن رجع من هؤلاء فعلًا وبنى وعمَّر وأنجز؟ لا أحد، لأن الوطن الذي يكره أبناءه لا يستحق دموع مهجره. وحكّام العرب يُسرّهم في قرارة أنفسهم ألّا يعود المثقف ولا العالم ولا المهندس، لأن أحلى أمة في نظرهم هي أمة الجهل والخرافة، وكلّما اتّسعت مساحة الظلام، اتّسعت مساحة عروشهم. وهؤلاء المغتربون، وإن عضّتهم الغربة في بلاد الآخرين، يدركون في أعماقهم أن غربة الوطن أشدّ وطأة وأبشع وجهًا، فكيف تعود إلى مكان تحمل منه ذكريات الإهانة والرشوة والمحسوبية والبيروقراطية القاتلة؟ كيف تعود وفي جسدك ندوب زنازين الصمت وغرف الاستجواب؟ كيف تعود ولا يزال في أذنيك صوت الخوف والظلم وتلفيق التهم؟
بطبيعة الحال لن نحاسب أحدًا، لأن الحساب في بلادنا للضعفاء وحدهم، ولن يجرؤ أحد على البوح بكامل الحقيقة لأن هامش حرية التعبير نسبي، لكن ثمة أسئلة تحترق في الصدر : من دفع شبابنا إلى أبواب السفارات الأجنبية يتسوّلون فرصة عمل؟ من دفعهم إلى أحضان المافيا يبيعون أجسادهم وضمائرهم مقابل ورقة إقامة تنتهي صلاحيتها بنهاية منفعتهم؟ من سرق منهم حق العيش الكريم في أرضهم؟ من أجبرهم على ركوب قوارب الموت؟
أنملك كل هذه الثروات ويموت شبابنا غرقًا في البحر أو اختناقًا في زنازين الصمت؟ أنحمل الشهادات العليا لنصبح أرقامًا في إحصائيات البطالة وإهانات البيروقراطية؟ أيُدفن طموح جيل بأكمله بينما تُهدَر الملايين على قارعة الملاهي الليلية وصالات القمار؟ ثم نسأل : هل الأوراق الثبوتية التي دفعنا في سبيلها دم قلوبنا أصبحت بلا قيمة لأننا بلا قيمة؟
هل نحن عرب فعلًا؟ أم أننا قطيع وُلد ليُساس بالخوف ويُروَّض بالجوع ويُسكَت بالحديد والنار؟ هل هذا الوطن الذي أنجب الحضارة وأرسل الرسالة لا يتّسع اليوم لمن وُلدوا على ترابه؟
صدّقوني…ما عاد هذا الوطن يشبه وطني. ولا أعرف إن كان يشبه وطن أحد.
تحياتي…